رصد آخر التطورات والتحركات في المنطقة، مع التركيز على أي مسارات أو إمدادات يُشتبه في وصولها إلى قوات الدعم السريع.
تشهد الحدود الشمالية الغربية للسودان تحركات مكثفة ترتبط بشكل مباشر بمحاور التمويل والنفوذ العسكري بين الطرفين:
مثلث العوينات (نقطة التقاطع الاستراتيجي الثلاثي)
أولاً: الأهمية الطبوغرافية والجيو-استراتيجية للمثلث
يقع مثلث العوينات عند التخوم الحدودية المشتركة بين (السودان، ليبيا، ومصر)، تحيط به جبال العوينات الوعرة والكثبان الرملية العميقة (بحر الرمال الأعظم). يُعد هذا الموقع الحاكم “البوابة الصحراوية الرئيسية” للتحكم في شمال دارفور والعمق الليبي الشرقي والجنوبي على المسارين:
1/السيطرة على الممرات المفتوحة: يوفر الجبل حجبًا راداريًا وطبوغرافيًا طبيعيًا، مما يتيح للأرتال المسلحة وقوافل التهريب أداء مناورات الاختفاء والالتفاف بعيدًا عن أجهزة الرصد المباشر.
2/عقدة المواصلات الصحراوية: يُمثل النقطة التي تلتقي فيها المسارات القادمة من الكفرة ومسلا (ليبيا) مع المسارات المتجهة نحو وادي هور والزرق والفاشر السودان.
ثانياً: إعادة الانتشار والاستنفار العسكري (القيادة العامة والتحركات الميدانية)
شهد النطاق الجغرافي للمثلث تحركات ومناورات مكثفة أعادت تشكيل التوازن الأمني بالمنطقة على النحو التالي:-
أ/ حشود وتمركزات الجيش الوطني الليبي:-
إعادة الانتشار المتقدم: دفعت القيادة العامة باللواء 128 معزز وكتائب من الشريف واللواء 106 نحو مناطق الكفرة، العوينات، ومشارف جبل أركنو.
الأهداف:- فرض طوق أمني لمنع تسلل الحركات المسلحة غير المنضبطة، وضبط العبور غير الشرعي، إضافة إلى السيطرة على خطوط التهريب لضمان مراقبتها وإدارتها أمنيًا.
ب/ تحركات وتكتيكات قوات الدعم السريع:-
محطات الترانزيت الصامتة:- تُستغل المنطقة القريبة من المثلث كـ “منطقة تجميع واستراحة مؤقتة” للأرتال القادمة من الجنوب الليبي قبل الدخول في السافانا السودانية.
استخدام شبكات الأدلاء المحليين:- الاعتماد على خبرات القبائل الحدودية (مثل التبو والزغاوة والمحاميد) لنقل الشحنات عبر طرق فرعية تحاذي جبل العوينات وتتجنب النقاط الثابتة للجيش الليبي والمصري.
ثالثاً: تفكيك شبكات وطرق التموين والتسلل الصحراوي
1/ نوعية الشحنات ذات القيمة العالية
-المحروقات عالية الجودة (الديزل والنزين):- تُنقل عبر صهاريج شحن صحراوية محورة (ذات أربعة محاور) أو براميل مقواة سعة 200 لتر، لتغذية الآليات العسكرية وسيارات الدفع الرباعي المقاتلة.
-منظومات الاتصالات والتشويش: أجهزة استارلينك المجهزة بأجهزة تمويه ضد الرصد، أجهزة ثريا، ومحطات إرسال لاسلكي موجهة لدعم غرف العمليات الميدانية في دارفور.
-قطع الغيار الحيوية: محركات كاملة لسيارات الدفع الرباعي (تويوتا لاندكروزر)، إطارات صحراوية مضادة للانفجار، وزيوت هيدروليكية صعبة التوفر في أسواق الحرب.
2/ مسارات العبور والتكتيكات المتبعة
أ/ مسار “معطن السارة – العوينات – وادي هور”: يُعد المسار الأكثر أمانًا لنقل العتاد؛ حيث تتحرك القوافل في مجموعات صغيرة (من 3 إلى 6 سيارات) وتتحرك غالبًا في الفترة ما بين غروب الشمس والفجرالتنقل المظلم.
يمتد مسار “معطن السارة – العوينات – وادي هور” عبر واحدة من أشد البيئات الصحراوية قسوة وعزلة في العالم (بين الكفرة جنوب ليبيا وشمال دارفور في السودان). هذا الطريق ليس شارعاً عبورياً متصلاً، بل سلسلة من الممرات الطبيعية المعقدة التي تخترق الهضاب والتلال وجافات الوديان:
أولاً: المعالم الجغرافية (الجبال والوديان)
1/ الجبال والهضاب الحاكمة:
أ-جبل أركنو (ليبيا): كتلة غانيتية ضخمة تقع شمال غرب جبل العوينات، وتُستخدم كقطاع تمويه ومحطة استراحة للتحصن من الاستطلاع الجوي.
ب-جبل العوينات (مثلث الحدود): الكتلة الجبلية الأبرز (ارتفاع يزيد عن 1900 متر)، وتحتوي على مغارات وأخاديد صخرية عميقة تُوفر ملاذاً آمناً ومخابئ للمعدات والسيارات.
ت-جبل كيسو (السودان): يقع جنوب جبل العوينات مباشرة داخل الأراضي السودانية، ويُمثل نقطة علام بصرية رئيسية للسيارات المتجهة جنوباً.
ث-تلال وجبال بحر الرمال / هضبة الجلف الكبير (المتاخمة): المرتفعات القريبة التي تحاذي المسار لتفادي المسطحات الرملية المفتوحة.
2/ الوديان والأودية الجافة:
أ-وادي كركور طلح (العوينات): أحد أكبر الأودية داخل جبل العوينات، ويحتوي على أشجار وشعاب توفر غطاءً نباتياً وتضاريسياً ممتازاً.
ب-وادي كركور إدريس: وادي جاف عميق على الجانب الغربي/الجنوبي من العوينات، يُستخدم كمرور اختفاء للمجموعات المسلحة.
ت-وادي هور (السودان – نقطة الوصول): المجرى المائي الجاف الضخم المعروف بـ “النيل الأصفر قديماً”، يمتد لمئات الكيلومترات ويُعد الشريان الطبيعي الحاكم للتحرك نحو عمق دارفور، لكثافة أشجار الحراز والأراك فيه.
ث-وادي المغر / وادي هور الأعلى: الشعاب المتفرعة التي تربط الصحراء المفتوحة ببداية أحراش السافانا الفقيرة.
ثانياً: القرى والمستوطنات والمراكز البدوية
نظراً لطبيعة المنطقة القاحلة، لا توجد مدن كبرى، بل نقاط استقرار بدوية، واحات مصغرة، وقرى حدودية معزولة:
أ-منطقة معطن السارة (ليبيا): قاعدة واحة سابقة وموقع عسكري مهجور في العمق الليبي، تحيط بها نقط تجمع بدوية غير دائمة.
ب-قرية / نقطة العوينات (السودان): نقطة حدودية صغيرة ومحطة تجمّع للرعاة وسائقي الشاحنات الحدودية.
ت-واحة الكفرة (المحيط الشمالي): المركز السكاني الرئيسي في جنوب ليبيا الذي تنطلق منه خطوط الإمداد نحو معطن السارة.
ث-قرية كرنوي (السودان): بلدية تقع بالقرب من وادي هور، وتُعد أولى النقاط المأهولة بالسكان عند دخول الأراضي السودانية جنوباً.
ج-مستوطنات ومضارب الرعاة (الزغاوة والتبو والمهري): تجمعات خيام ونقاط رعي موسمية تتنقل حول الوديان الجافة وأحواض المياه.
ثالثاً: المحطات الرئيسية على طول المسار (من الشمال إلى الجنوب)
1/ محطة معطن السارة (نقطة الانطلاق والتجهيز): يتم فيها تزويد القوافل بالوقود الكافي (البراميل) والمياه، ومراجعة سلامة المحركات وأجهزة الاتصال استارلينك أو الثريا.
2/ منطقة التمويه في أركنو: محطة استراحة بعد قطع المسافة الصحراوية المفتوحة من معطن السارة، تُستغل لإخفاء السيارات بين الصخور الضخمة خلال ساعات النهار.
3/ محطة جبل العوينات / آبار الماء القديمة: نقطة التجمع والتنسيق الرئيسية بين الدلائل والمهرّبين؛ حيث يتم الاتصال بغرف العمليات الميدانية للتحقق من خلو الممرات الحدودية من الدوريات الجوية والمسيرات.
4/ محطة جبل كيسو (نقطة العبور والتوجه): بمجرد تجاوز جبل كيسو، تدخل القوافل عمق الأراضي السودانية وتتوزع إلى مجموعات أصغر لتفادي الرصد ببن حقول الكثبان الرملية (زوزو والمجرور).
5/ ارتكازات وادي هور (نقطة الوصول والتوزيع): المحطة النهائية في المسار الصحراوي، حيث توفر كثافة الأشجار والوديان غطاءً كاملاً، ومنها تُفرغ الشحنات أو تواصل طريقها نحو مناطق الزرق، أمبرو، أو الطينة.
ب/ التخفي والتشتيت: تُطلى هياكل السيارات بالصلصال والرمال لمطابقة لون البيئة الصحراوية، مع تغيير خط السير بمسافة 10 إلى 20 كيلومترًا مع كل رحلة لمنع تثبيت الإحداثيات بواسطة مسيرات الاستطلاع.
تعتبر تكتيكات التخفي والتشتيت العصب الحيوي للبقاء على قيد الحياة أثناء قطع مسار “معطن السارة – العوينات – وادي هور”؛ فالصحراء المفتوحة الممتدة لمئات الكيلومترات تجعل الأهداف المتحركة عرضة لطبقات متعددة من الرصد (المسيرات الجوية، الأقمار الصناعية، والأجهزة الحرارية). لذلك، تطبق القوافل حزمة من الأساليب البدائية والتقنية المركبة لتقليل “البصمة البصرية والحرارية”:
أولاً: التمويه البصري والمادي للأليات
1/ الطلاء الطيني التقليدي
المواد المستخدمة: خلط الطمي والصلصال المأخوذ من أحواض الأودية الجافة (مثل شعاب جبل العوينات) مع قليل من الماء والزيت المستعمل لضمان التماسك.
طريقة التطبيق: تُغطى بالكامل الهياكل المعدنية اللامعة، الزجاج الجانبي، والنوافذ الخلفية لسيارات التويوتا لاندكروزر أو الشاحنات.
الأهداف التكتيكية:-
أ/ إلغاء الانعكاس الضوئي: – يمنع انعكاس أشعة الشمس الساطعة عن زجاج الأسطح المعدنية للسيارات، والذي يُعد السبب الأول للرصد البصري عن بعد عشرات الكيلومترات.
ب/ المطابقة اللونية :- يمنح الأليّات لوناً أصفر غبارياً أو بني داكناً يندمج ببراعة مع الكثبان الرملية والصخور الجرانيتية لبيئة أركنو والعوينات.
2/ التخفي الهندسي والحراري:
أ/ السيارات الخالية من الصدام الإضافي:- إزالة قطع الكروم والإكسسوارات البراقة.
ب/ تغطية عوادم السيارات :- توجيه عوادم العادم نحو الأسفل وتغليفها أحياناً بقطع من الخيش المبلل بالماء عند التوقف، لتقليل انبعاث الغازات الساخنة التي تلتقطها كاميرات الرصد الحراري .
ت/ شبكات التمويه الصحراوية: تغطية السيارات عند التوقف بشباك تمويه محملة ببعض الأغصان الجافة والشجيرات الصحراوية.
ثانياً: المناورة الجغرافية وتغيير الإحداثيات
تعتمد الطائرات المسيرة وأجهزة الاستطلاع على “تثبيت أنماط الحركة للتعرف على الطرق المعتادة؛ ولإحباط ذلك، تُطبق التكتيكات التالية:
أ/ كسر المسارات المطبوعة :- تجنب السير في “أثر الإطارات” الذي تركته الرحلة السابقة. تسير كل قافلة في ممر موازٍ يبعد من 10 إلى 20 كيلومتراً عن المسار السابق؛ لمنع الأقمار الصناعية من تحديد “طريق ترابي جديد” متصل.
ب/ الانحراف القوسي:- بدلاً من التحرك في خط مستقيم بين معطن السارة والعوينات، تعتمد القوافل خطوط سير منحنية أو متعرجة تخترق الأودية الفرعية وحقول الكثبان الرملية (مثل بحر الرمال) للاختفاء تحت السواتر الطبيعية.
ت/ نظام “القافلة القاطرة” :- ترسل القافلة سيارة استطلاع واحدة بدائية على بُعد 15 إلى 30 كيلومتراً في الأمام لتفقد الطرق والنقاط الحاكمة قبل مرور الشحنات الثقيلة والوقود.
ثالثاً: انضباط الحركة والاتصالات
التنقل المظلم: إطفاء جميع أنوار السيارات (الحديثة والقديمة) واستبدالها أحياناً بأجهزة رؤية ليلية لدى السائقين. و تغطية لوحات القيادة والشاشات الداخلية بقطع قماش مظلمة لمنع تسرب الضوء للخارج.
1. الصمت اللاسلكي والإلكتروني :- يتم إغلاق أجهزة الاتصالات الثريا وأجهزة أجهزة استارليك تماماً أثناء التحرك. و لا يتم فتح الاتصال إلا عند محطات التوقف المحصنة في الكهوف والأودية العميقة (مثل كركور طلح) ولمدة لا تتجاوز دقائق معدودة، لتجنب الرصد بواسطة منظومات الاستخبارات الإشارية.
رابعاً: الأثر على شبكات التهريب والتوازنات الإقليمية
1/ تحجيم عصابات التهريب التقليدية: أدى الاستنفار العسكري المكثف للمجموعات النظامية إلى خنق المهربين الصغار وعصابات التنقيب العشوائي عن الذهب، وحصر عمليات العبور في الشبكات المنظمة التابعة للتشكيلات العسكرية الكبرى.
2/ ضغط الاستطلاع والمراقبة: تسبب استخدام المراقبة الجوية والمسيرات في تحويل المثلث إلى “منطقة خطرة عالية المخاطر”، مما رفع تكلفة نقل الشحنات والخدمات اللوجستية إلى أرقام قياسية، وأجبر القوافل على التغلغل أكثر في عمق التضاريس الصخرية الصعبة لجبل العوينات.
استنفار ومراقبة الحدود الليبية السودانية:-
شهدت المنطقة حركة حشود وإعادة انتشار مكثفة لـ “قوات الجيش الوطني الليبي” (القيادة العامة) بالتزامن مع تحركات لقوات الدعم السريع، مما جعل المثلث منطقة ترانزيت لوجستي واستطلاع ساخنة، مع فرض قيود شديدة على حركة المجموعات المسلحة وشبكات المهرّبين. حيث تحول المثلث الحدودي إلى نقطة تماس شديدة الحساسية بسبب التداخل العسكري واللوجستي المعقد بين التحركات الميدانية لقوات الجيش الوطني الليبي (القيادة العامة) وتحركات قوات الدعم السريع، مما دفع الطرفين لإعادة تشكيل تموضعهما لمنع خروج المنطقة عن السيطرة أو استخدامها دون تنسيق أمني دقيق.
أولاً: أسباب ودوافع الاستنفار العسكري المكثف
1/ إعادة ضبط التوازنات الحدودية: تسعى “القيادة العامة” لضمان عدم تدفق أي أسلحة أو عناصر قتالية غير مسيطر عليها باتجاه الجنوب الليبي، وللحيلولة دون استخدام الأراضي الليبية كملاذات خلفية للقتال دون إشراف أمني مباشر.
2/ تأمين الشريان اللوجستي للتنظيمات الميدانية: تمثل هذه المنطقة لقوات الدعم السريع شريان حياة حرج لنقل الإمدادات النوعية (المحروقات، الأجهزة، وقطع الغيار) القادمة من مسارات الصحراء الكبرى نحو دارفور وركيزة أساسية لتجميع الأرتال القادمة من الحدود.
ثانياً: إعادة الانتشار والتكتيكات الميدانية لـ “الجيش الوطني الليبي”
شهدت مناطق الكفرة، جبل أركنو، والعوينات تمركزات نوعية أحدثت غطاءً أمنياً مكثفاً على النحو الاتي:
أ/ تكتيك الطوق المرن والمشط: نشر دوريات صحراوية متحركة مدعومة بسيارات مجهزة بأسلحة متوسطة وثقيلة (اللواء 128 والكتائب المساندة) لتمشيط الأودية والممرات بين العوينات وأركنو. مع إقامة نقاط تفتيش واستطلاع ثابته ومؤقتة عند المعابر الطبيعية الضرورية لعبور السيارات والسهول المفتوحة.
ب/ المراقبة الجوية والاستطلاع: تكثيف طلعات الطيران المسير والمروحي للاستطلاع الراداري والحراري فوق حقول الكثبان الرملية والمناطق الصخرية الحاكمة لتحديد موقع أي تجمعات غير مصرح بها.
ثالثاً: تحركات وقواعد الترانزيت لقوات الدعم السريع
في المقابل، فرض هذا الواقع على قوات الدعم السريع اعتماد تكتيكات تمويه حذرة لتفادي صدام مباشر أو مكشوف على النحو التالي:-
1-إنشاء نقاط الترانزيت الصامتة”: استغلال المنحنيات الجغرافية الصعبة خلف الأخاديد والجبال (مثل جيل العوينات وجبل كيسو) كمحطات استراحة مؤقتة وإعادة تفريغ/توزيع للشحنات قبل دخول العمق السوداني.
2-إستراتيجية مجموعات “التسلل النقطي”: تقسيم القوافل الضخمة إلى مجموعات صغيرة جداً (تتكون من 2 إلى 4 سيارات) تتحرك بمسافات زمنية ومكانية متباعدة للتسلل عبر الثغرات الحدودية تحت سترة الليل.
رابعاً: انعكاس الخناق على عصابات التهريب والمجموعات المسلحة
أدى هذا الاستنفار العسكري المزدوج إلى إعادة رسم خريطة النشاط غير الرسمي في المنطقة:
1-شل حركة عصابات التهريب التقليدية: فرضت القيادة العامة وقوات المرابطة قيوداً صارمة على تجار السلاح المستقلين، ومهربي البضائع التقليدية، وقوافل الهجرة غير الشرعية، حيث تم إغلاق العديد من “المسارات الفرعية” واستهداف الشاحنات غير الممتثلة لتعليمات المرور.
2-تحجيم شبكات التعدين العشوائي: تراجعت حركة المجموعات المسلحة الصغيرة وشبكات التنقيب عن الذهب في مناطق مثل الكلايت والعوينات، حيث جرى حصر إدارة وتداول الموارد والوقود ضمن نطاق الجهات القادرة على التنسيق المباشر مع القوى العسكرية الكبرى بالمنطقة.
نشاط شبكات التهريب والذهب:-
تنامي نشاط عصابات التعدين العشوائي وتهريب السلاح في الممرات الممتدة نحو مناطق الكلايت وشمال فايا؛ حيث تُستغل الثغرات الحدودية لتداول السيولة النقدية والمحروقات بعيداً عن أعين الرصد الجوي.
ديناميكيات شبكات الذهب والسلاح في محور (الكلايت – شمال فايا):-
تُعد المناطق الممتدة نحو “الكلايت” وشمال “فايا لارجو” (شمال تشاد المتاخم للحدود الليبية والسودانية) من أعقد البيئات الصحراوية والميدانية في الإقليم؛ حيث تقاطع فيها نشاط التنقيب العشوائي عن الذهب مع شبكات تهريب السلاح والسيولة، لتشكل اقتصاد حرب قائم بذاته بعيداً عن سيطرة الدول.
أولاً: الأهمية الجغرافية والطبوغرافية للمحور
1/ مناطق حرة خارج الرصد: تمتاز مناطق الكلايت وتخوم فايا بوجود تضاريس صحراوية قاسية وأودية صخرية مهجورة تُوفر غطاءً طبيعياً يمنع الطائرات والمسيرات من التقاط التجمعات الصغيرة أو تمييز الآليات الشاحنة عن سيارات المعدنين.
2/ عقدة ربط ثلاثية: تُشكل هذه الأراضي جسراً يربط بين مناجم الذهب في شمال تشاد (مثل كوري بوغودي وتبستي) ومسارات التهريب المتجهة نحو جنوب ليبيا (الكفرة ومرزق) وشمال دارفور.
ثانياً: شبكات التعدين العشوائي واقتصاد الذهب
أ/ صرافة الذهب والسيولة النقدية:- يُعد الذهب المستخرج من الآبار العشوائية “العملة الصعبة الأساسية” في المنطقة. و تُجرى عمليات تسوية مالية مباشرة في نقاط التجميع الصحراوية (مخيمات التعدين)؛ حيث يُستبدل الذهب الخام فوراً بسيولة نقدية (دولار أو يورو أو عملات محلية) أو بشحنات من المحروقات والأسلحة.
ب/ تهريب المحروقات والسلع الحيوية:- تُعتبر المحروقات (الديزل والنزين) شريان الحياة لأجهزة التنقيب ومولدات الكهرباء وسيارات الدفع الرباعي. تُنقل المحروقات عبر براميل سعة 200 لتر على متن شاحنات صحراوية تتسلل عبر الثغرات الحدودية من ليبيا، وتُباع بأسعار مضاعفة داخل المخيمات الميدانية.
ثالثاً: تهريب السلاح وتكتيكات التخفي من الرصد الجوي
تُطوّر عصابات التهريب والمجموعات المسلحة في هذا المحور أساليب تكتيكية لحماية قوافل السلاح والعتاد المنقول:
1- نوعية السلاح المنقول: يتركز التهريب على الأسلحة المتوسطة والخفيفة رشاشات PKM، قذائف RPG، بنادق آلية، والذخائر بمختلف أنواعها)، إضافة إلى أجهزة الاتصال اللاسلكي والفضائي المهرّبة.
2- التخزين في الأخاديد : إقامة مخازن سلاح ووقود تحت الأرض وفي الشقوق الصخرية العميقة بمنطقة الكلايت؛ حيث يُفرغ العتاد ويُترك لأسابيع قبل أن تتسلمه شحنات أخرى بحجم أصغر.
3- تكتيك “التشتت والتأطير المحلي : تجنب تحريك أرتال كبرى؛ بل تسير الشحنات في شكل سيارات منفردة أو ثنائية (تويوتا لاندكروزر) تفصل بينها مسافات تصل إلى 15-20 كيلومتراً. استخدام لوحات قيادة مغطاة وتمرير العوادم أسفل هيكل السيارة لتقليل الانبعاث الحراري أثناء الليل.
رابعاً: الانعكاسات على الاستقرار الإقليمي
1/ تغذية بؤر الصراع: يوفر هذا المحور شرياناً خلفياً لإعادة تسليح المجموعات المسلحة وحركات الحركات الحدودية دون المرور عبر الموانئ أو المنافذ الرسمية.
2/ صعوبة الضبط الإداري: تجعل الأرباح الضخمة المتولدة من تجارة الذهب والسلاح والوقود من الصعب على الدوريات الحدودية التقليص الكامل للنشاط، مما يحول المنطقة إلى “اقتصاد ظل مقوم ذاتياً” يعتمد عليه آلاف المقاتلين والمهرّبين في الصحراء الكبرى.
إعداد:حسن يوسف زرما مراسل براون لاند غرب افريقيا
