د. ميمونة سعيد ادم أبورقاب
بعد مرور سنتان و9 اشهر و20 يوماً على اندلاع الحرب في السودان، لم يعد الملف السوداني شأنًا داخليًا فحسب، بل تحوّل إلى أحد أكثر الملفات الإقليمية والدولية تعقيدًا وحساسية. فقد تصدّر السودان أجندة المبادرات الدولية، والتحركات الإقليمية، ونال الاهتمام الدولي، في ظل تطورات ميدانية متسارعة، أبرزها التقدم الملحوظ للقوات المسلحة السودانية والقوات الساندة لها، وما رافقه من تغيّر في موازين القوى على الأرض.
التحول الميداني وإعادة رسم المشهد العسكري:
يشكّل التقدم العسكري الذي حققته القوات المسلحة السودانية خلال الفترة الأخيرة نقطة تحوّل مفصلية في مسار الصراع. فبعد مرحلة طويلة من الاستنزاف والتشتت، استطاعت المؤسسة العسكرية إعادة تنظيم صفوفها، واستعادة زمام المبادرة في عدد من المحاور الاستراتيجية. هذا التقدم لم يكن عسكريًا صرفًا، بل حمل أبعادًا سياسية ورسائل واضحة للداخل والخارج مفادها أن الدولة السودانية ما زالت قادرة على الصمود وإعادة فرض سلطتها.
وقد عززت مشاركة القوات الساندة في العمليات من فعالية الأداء الميداني، وأسهمت في تأمين مناطق واسعة، الأمر الذي انعكس مباشرة على تراجع نفوذ التمرد وتقهقره في عدد من المواقع الحيوية.
مؤشر استعادة الثقة:
من أبرز المؤشرات الإيجابية المصاحبة للتقدم العسكري، بدء موجات العودة الطوعية للمواطنين إلى مناطقهم، خاصة في المدن التي شهدت تحسنًا نسبيًا في الوضع الأمني. هذه العودة لا يمكن فصلها عن الشعور المتزايد بقدرة الدولة على بسط الأمن، كما تمثل عنصرًا نفسيًا ومعنويًا بالغ الأهمية في معركة استعادة الاستقرار.
فالمدنيون، بوصفهم الطرف الأكثر تضررًا من الحرب، يشكّلون ميزانًا حقيقيًا لقياس نجاح أي مسار عسكري أو سياسي. وعودة المواطنين، ولو تدريجيًا، تعكس تراجع حالة الخوف، وبداية استعادة الثقة في مؤسسات الدولة.
تصريحات القيادة العسكرية:
في هذا السياق، جاءت تصريحات القيادة العسكرية السودانية لتؤكد أن ما يجري ليس مجرد جولات قتال عابرة، بل معركة وجود وسيادة. فقد شددت القيادة على المضي قدمًا نحو تحقيق النصر الكامل، والقضاء على التمرد بشكل نهائي، دون القبول بأنصاف الحلول التي تعيد إنتاج الأزمة.
هذه التصريحات تحمل رسائل متعددة؛ داخليًا لتعزيز الروح المعنوية، وخارجيًا لتأكيد أن أي مبادرة سياسية أو تفاوضية يجب أن تنطلق من واقع ميداني جديد، يعترف بشرعية الدولة ومؤسساتها.
السودان على طاولة المبادرات الرباعية:
تزامن هذا التحول الميداني مع تصاعد الاهتمام الإقليمي والدولي بالملف السوداني، حيث برزت المبادرات الرباعية وغيرها كمسارات تسعى لاحتواء تداعيات الصراع. غير أن هذه المبادرات باتت تواجه تحديًا حقيقيًا يتمثل في ضرورة التكيّف مع المتغيرات على الأرض، وعدم الاكتفاء بطرح صيغ سياسية منفصلة عن الواقع العسكري. فالسودان اليوم ليس ساحة فراغ، بل دولة تخوض معركة لإعادة بناء سيادتها، وهو ما يفرض على الفاعلين الدوليين مقاربة أكثر واقعية، تراعي وحدة الدولة، ومخاوف تفكك الإقليم، وانعكاسات استمرار الحرب على الأمن الإقليمي.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن السودان يقف عند مفترق طرق حاسم. فإما أن تُستثمر الانتصارات الميدانية في بناء مسار سياسي متوازن يعيد الدولة إلى وضعها الطبيعي، أو أن تؤدي الضغوط والتدخلات الخارجية غير المنضبطة إلى إطالة أمد الصراع.
غير أن المؤشرات الحالية، من تقدم عسكري، وعودة مدنية، وخطاب قيادي حاسم، توحي بأن السودان يسعى لفرض معادلة جديدة، عنوانها استعادة الدولة أولًا، ثم الانخراط في أي مسار سياسي من موقع قوة لا من موقع اضطرار.
