أعلنت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة المالية تنفيذ ضربات عسكرية يوم 14 يوليو 2026 استهدفت مواقع للجماعات المسلحة في قطاعي تينزاواتين وأنيفيف شمال البلاد، وذلك ضمن عمليات المراقبة والتأمين المستمرة التي تنفذها القوات المالية بدعم من شركائها. ووفق البيان الرسمي، أسفرت العمليات عن تحييد عدد من العناصر المسلحة، مع استمرار عمليات التمشيط لتقييم النتائج وتعزيز الضغط على الجماعات الإرهابية.
ورغم أن البيان جاء مقتضبًا ولم يحدد هوية الجماعات المستهدفة أو طبيعة الوسائط المستخدمة، فإن اختيار تينزاواتين وأنيفيف يحمل دلالات استراتيجية مهمة، بالنظر إلى الموقع الجغرافي الحساس للمنطقتين وطبيعة التهديدات الأمنية فيهما.
أهمية تينزاواتين وأنيفيف في المشهد الأمني
تمثل تينزاواتين، الواقعة على الحدود المالية الجزائرية، إحدى أكثر المناطق حساسية في شمال مالي، إذ تشكل عقدة عبور تقليدية للمقاتلين والأسلحة وطرق الإمداد العابرة للحدود. كما تعد المنطقة مسرحًا لتنافس بين جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة وأخرى موالية لتنظيم داعش، إلى جانب وجود فصائل مسلحة محلية تنشط في إقليم كيدال.
أما أنيفيف، الواقعة شرق كيدال، فتعد نقطة ارتكاز مهمة تربط بين كيدال وغاو، وتستخدمها الجماعات المسلحة كممر للمناورة وإعادة الانتشار. لذلك فإن أي عمليات عسكرية في هذا القطاع تستهدف تعطيل حرية الحركة وتقليص قدرة تلك الجماعات على المناورة اللوجستية.
دلالات العمليات العسكرية
تعكس الضربات الأخيرة تحولًا في العقيدة العملياتية للقوات المسلحة المالية، والتي باتت تعتمد بصورة أكبر على الضربات الاستباقية والاستخبارات الدقيقة، بدلاً من الاقتصار على رد الفعل بعد وقوع الهجمات.
كما تشير الإشارة إلى تنفيذ العمليات “بدعم من الشركاء” إلى استمرار التعاون العسكري مع الحلفاء، سواء في مجال الاستطلاع أو الدعم الجوي أو تبادل المعلومات الاستخباراتية، وهو ما يمنح الجيش المالي قدرة أكبر على استهداف المواقع النائية في شمال البلاد.
ويلاحظ أيضًا أن البيان شدد على استمرار عمليات التمشيط، وهو ما يعكس إدراك القيادة العسكرية بأن نجاح الضربة لا يقاس بعدد القتلى فقط، وإنما بمدى القدرة على منع الجماعات المسلحة من إعادة تنظيم صفوفها أو العودة إلى المناطق المستهدفة.
الرسائل العسكرية والسياسية
تحمل العملية عدة رسائل متزامنة:
تأكيد استمرار الضغط العسكري على الجماعات المسلحة في شمال مالي وعدم منحها فرصة لإعادة بناء قواعدها.
إظهار قدرة الجيش المالي على تنفيذ عمليات في مناطق بعيدة وصعبة التضاريس رغم التحديات اللوجستية.
طمأنة الرأي العام بأن العمليات العسكرية لا تزال مستمرة في جميع أنحاء البلاد، وهو ما يفسر ختام البيان الرسمي بعبارة “متحدون، سوف ننتصر”.
كما تأتي هذه الضربات في وقت يشهد فيه شمال مالي نشاطًا متزايدًا للجماعات المسلحة، ومحاولات متكررة لاستهداف مواقع الجيش وخطوط الإمداد، الأمر الذي يجعل المحافظة على زمام المبادرة هدفًا رئيسيًا للقيادة العسكرية.
التقدير الاستراتيجي
تشير العملية إلى أن الجيش المالي يسعى إلى فرض استراتيجية الاستنزاف المستمر ضد الجماعات المسلحة، من خلال استهداف مراكز التجمع وخطوط الحركة بدلاً من انتظار الهجمات. وإذا استمرت هذه الضربات بوتيرة منتظمة، فقد تحد من قدرة الجماعات على التخطيط لعمليات واسعة، وتزيد من كلفة تحركاتها في شمال البلاد.
ومع ذلك، فإن تحقيق تأثير استراتيجي طويل الأمد يتطلب أكثر من النجاح العسكري التكتيكي؛ إذ ستظل السيطرة المستدامة على المناطق النائية مرهونة بتأمينها بقوات برية، وتعزيز الوجود الإداري للدولة، وتحسين التعاون الاستخباراتي مع المجتمعات المحلية، ومنع عودة الجماعات المسلحة بعد انتهاء العمليات.
وفي المجمل، تعكس الضربات في تينزاواتين وأنيفيف استمرار توجه باماكو نحو تكثيف العمليات الهجومية للحفاظ على الضغط العملياتي في شمال مالي، إلا أن نجاح هذه المقاربة سيظل مرتبطًا بقدرة القوات المسلحة على تحويل الإنجازات الميدانية المؤقتة إلى مكاسب أمنية دائمة تحد من حرية حركة الجماعات المسلحة في المدى المتوسط والبعيد.
بقلم حسن يوسف زرما
