د. ميمونة سعيد ادم أبورقاب
تمردات صامتة وتغييرات في مفاصل الدولة وسط اضطرابات إقليمية متصاعدة، تشهد دولة جنوب السودان في الآونة الأخيرة حالة من السيولة السياسية والأمنية المتصاعدة، تعكس ما يمكن وصفه بـ«تمردات ناعمة» داخل بنية الدولة نفسها، تتقاطع فيها صراعات مراكز القوى مع ضغوط إقليمية متزايدة. فبعيدًا عن الخطاب الرسمي الذي يروّج للاستقرار النسبي، تدور في دهاليز الحكم تحركات معقّدة تهدد بإعادة تشكيل المشهد السياسي والأمني برمته.
لا تقتصر مظاهر التمرد في جنوب السودان على الحركات المسلحة التقليدية في الأطراف، بل امتدت إلى داخل مؤسسات الدولة عبر حالة من العصيان الإداري، والانقسامات داخل الأجهزة الأمنية، والتململ في صفوف النخب السياسية والعسكرية. هذه التمردات الصامتة لا تُرفع فيها البنادق، لكنها تُمارَس عبر تعطيل القرارات، وإضعاف تنفيذ السياسات، وتآكل الانضباط المؤسسي.
ويرتبط هذا النمط من التمرد بطبيعة النظام السياسي القائم على المحاصصة القبلية، والذي أفرز ولاءات متداخلة تتقدّم فيها الانتماءات الأولية على الولاء للدولة، ما جعل مفاصل الحكم عرضة للاهتزاز عند أي خلاف داخل مراكز القرار.
تغييرات في مفاصل الدولة: إعادة ترتيب أم صراع نفوذ؟
في هذا السياق، شهدت الفترة الأخيرة سلسلة تغييرات في المواقع السيادية والعسكرية والإدارية، قُدِّمت رسميًا باعتبارها إجراءات إصلاحية أو ترتيبات أمنية. غير أن القراءة التحليلية تشير إلى أنها جزء من عملية إعادة توزيع النفوذ داخل السلطة، في ظل تزايد الشكوك بين الشركاء السياسيين الموقعين على اتفاق السلام.
هذه التغييرات تعكس محاولة من القيادة لإعادة إحكام السيطرة على مفاصل الدولة، لكنها في الوقت ذاته تكشف هشاشة التوازنات القائمة، حيث يُنظر إلى كل تعديل باعتباره استهدافًا سياسيًا أو قبليًا، ما يفاقم حالة عدم الثقة، ويفتح الباب أمام ردود فعل غير معلنة.
الأجهزة الأمنية بين الولاء والانقسام:
تُعد الأجهزة الأمنية والعسكرية الحلقة الأكثر حساسية في هذا المشهد. فعملية توحيد القوات، التي نصّ عليها اتفاق السلام، ما زالت تواجه عراقيل بنيوية، أبرزها تضارب الولاءات وغياب العقيدة الوطنية الجامعة. هذا الوضع يجعل أي تغيير في القيادات الأمنية عاملًا محفزًا للتوتر، بدل أن يكون أداة للاستقرار. كما أن ضعف الموارد المالية وتأخر الرواتب أسهما في تفاقم حالة السخط داخل هذه الأجهزة، ما يزيد من احتمالات الانفلات الأمني، خاصة في ظل انتشار السلاح وغياب الرقابة الفاعلة.
جنوب السودان في مرمى الاضطرابات الإقليمية
لا يمكن فصل ما يجري داخل جنوب السودان عن محيطه الإقليمي المضطرب. فالحرب المستمرة في السودان، والتوترات في القرن الإفريقي، والصراع على النفوذ بين القوى الإقليمية، كلها عوامل تضغط على جوبا وتدفعها إلى مواقف متذبذبة.
وتجد حكومة جنوب السودان نفسها أمام معادلة صعبة؛ فهي تسعى للحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، لكنها في الوقت ذاته تتحول إلى ساحة تنافس غير مباشر، سواء عبر الاقتصاد، أو الدعم السياسي، أو التأثير الأمني، ما يزيد من هشاشة الوضع الداخلي.
الاقتصاد كوقود للاحتقان السياسي
يمثل الاقتصاد أحد أبرز محركات الاضطراب الحالي. فالاعتماد شبه الكامل على النفط، وتذبذب أسعاره، وتكاليف التصدير عبر دول الجوار، كلها عوامل أضعفت قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين والمؤسسات. هذا العجز الاقتصادي يغذي حالة السخط الشعبي، ويمنح خصوم السلطة أدوات ضغط إضافية.
إلى أين تتجه جوبا؟
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن جنوب السودان يقف على حافة مرحلة جديدة قد تكون أكثر تعقيدًا. فإما أن تنجح القيادة في تحويل التغييرات الجارية إلى مدخل لإصلاح حقيقي يعيد بناء الدولة على أسس مؤسسية، أو أن تتحول التمردات الصامتة إلى انفجارات مفتوحة تعيد البلاد إلى دوامة عدم الاستقرار.
والأرجح أن مستقبل جنوب السودان سيظل مرهونًا بقدرته على تفكيك بنية الصراع الداخلي، وتحجيم التدخلات الإقليمية، وبناء دولة تتجاوز منطق الغنيمة إلى منطق المواطنة.
