بين رمال صحراء “تينيري” الملتهبة والحدود الموصدة، تواجه مدينة أغاديز النيجرية واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخها الحديث. المنطقة التي كانت يوماً مجرد “نقطة عبور” للمهاجرين الطامحين في حياة أفضل، باتت اليوم “مستقراً قسرياً” لآلاف المُرّحلين من الجزائر وليبيا، وسط تحذيرات دولية من انفجار الوضع الوشيك نتيجة نقص التمويل وتصاعد الانتهاكات.
أرقام قياسية وصدمة ميدانية
كشفت البيانات الأخيرة عن قفزة مرعبة في أعداد العائدين؛ ففي أكتوبر 2025 وحده، سُجلت عودة أكثر من 60 ألف مهاجر، بزيادة بلغت 50% مقارنة بالعام السابق. هذا التدفق الهائل وضع السلطات المحلية والمنظمات الدولية، وعلى رأسها منظمة “أطباء بلا حدود”، أمام تحدٍ لوجستي وطبي غير مسبوق.
شهادات من “جحيم الرمال”
خلف الأرقام الجافة تكمن قصص مريرة تروي تفاصيل “رحلة الموت”. سعدو أحمد (28 عاماً)، شاب نيجيري فقد كل مدخراته وأوراقه الثبوتية أثناء محاولته الوصول إلى ليبيا، يصف حاله اليوم وهو يفترش الأرض العارية في غرف متهالكة بـ”حي اليهود” في أغاديز: “أعلم أن الرحلة خطيرة، لكن ليس لدي خيار آخر”.
أما النساء والأطفال، فهم الحلقة الأضعف في هذه المأساة. تروي سويبة محمد، التي فرت مع أطفالها الستة، مرارة الترحيل القسري قائلة: “تُركنا كالمجرمين في قلب الصحراء، بلا ماء ولا طعام”. وتذهب مريم بوبكر (في السبعينيات) إلى أبعد من ذلك، كاشفة عن انتهاكات جسيمة تشمل التعذيب والاعتداء الجنسي ومصادرة الممتلكات الشخصية، في غياب تام لاحترام الكرامة الإنسانية.
“أطباء بلا حدود” في خط المواجهة
في ظل هذا التدهور، تعمل فرق منظمة “أطباء بلا حدود” بالتعاون مع وزارة الصحة النيجرية لتدارك الموقف. وصرح جان كلود موشاغالوسا، المنسق الميداني للمنظمة في أغاديز، بلهجة تحذيرية:
“الاحتياجات تتزايد باستمرار والمساعدات لا تزال غير كافية. إننا نناشد جميع الجهات الدولية للتحرك بسرعة لإنقاذ الأرواح قبل فوات الأوان.”
حصاد التدخل الإنساني (يناير – ديسمبر 2025), كالاتي:-
1/الاستشارات الطبية بلغ 69,632 استشارة
2/ الدعم النفسي وصل إلى 3,958 مستفيد
3/عمليات البحث والإنقاذ تم تنفيذ 42 عملية ميدانية
4/ تأهيل موارد المياه و إعادة تأهيل 8 آبار في الصحراء
5/ المساعدات العينية حيث تم توزيع 6,776 حقيبة مواد أساسية
نداء استغاثة أخير
رغم الجهود المبذولة في عمليات الإنقاذ بين “أساماكا” و”ديركو”، إلا أن الانخفاض الحاد في التمويل الدولي يهدد استمرارية هذه الخدمات الحيوية. تظل أغاديز اليوم صرخة في وجه الضمير العالمي، حيث يتقاطع الفقر مع العنف، وتضيع أحلام الآلاف بين رمال الصحراء القاسية وسياسات الترحيل الحدودية.
المصدر: وكالة أنباء النيجر ANP
