وقّعت تشاد وفرنسا، في 13 أكتوبر 2026 بالعاصمة الفرنسية باريس، إعلان نوايا لاستئناف التعاون العسكري بين البلدين، في خطوة تمثل تحولاً في العلاقات الدفاعية بعد إنهاء نجامينا اتفاقياتها الدفاعية مع باريس وانسحاب القوات الفرنسية من الأراضي التشادية في يناير 2025.
و تتجاوز تداعيات استئناف التعاون العسكري بين تشاد وفرنسا حدود البلدين، بالنظر إلى موقع تشاد الذي يربط منطقة الساحل بوسط إفريقيا وشمالها، واشتراكها في الحدود مع سبع دول هي النيجر وليبيا والسودان وجمهورية إفريقيا الوسطى والكاميرون ونيجيريا، إضافة إلى حدودها مع منطقة بحيرة تشاد المتصلة بهذه الدول. ومن شأن أي تحول في طبيعة الشراكة الأمنية بين نجامينا وباريس أن تكون له انعكاسات متفاوتة على البيئة الأمنية المحيطة، تبعاً لأهداف التعاون الجديد ونطاقه العملي.
النيجر ـ تقاطع التنافس الفرنسي مع التوازنات الأمنية للساحل
تمثل النيجر إحدى أكثر الدول المعنية بمتابعة التقارب الفرنسي التشادي، ليس فقط بسبب الحدود المشتركة مع تشاد، وإنما أيضاً بسبب التحول الذي شهدته علاقاتها مع باريس عقب إنهاء الوجود العسكري الفرنسي على أراضيها.
وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا التقارب بالنسبة إلى نيامي في احتمال تحول تشاد إلى شريك رئيسي لفرنسا في منطقة الساحل، في وقت تراجعت فيه قدرة باريس على الاعتماد على مواقعها العسكرية السابقة في النيجر ومالي وبوركينا فاسو. وإذا تطور التعاون الجديد ليشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتعزيز قدرات المراقبة الجوية والحدودية، وتقديم الدعم اللوجستي للعمليات الأمنية، فقد يعزز ذلك قدرة فرنسا على الاحتفاظ بقنوات تأثير في المنطقة انطلاقاً من شراكتها مع تشاد.
وقد تتابع السلطات النيجرية، في هذا السياق، طبيعة أي ترتيبات تتعلق بالمعلومات الأمنية والتحركات العسكرية قرب الحدود المشتركة، خصوصاً في المناطق التي تتداخل فيها التهديدات العابرة للحدود مع التنافس الإقليمي والدولي.
ومع ذلك، لا توجد في إعلان النوايا وحده أدلة كافية على أن التعاون الفرنسي التشادي يستهدف النيجر أو يتضمن ترتيبات عملياتية ضدها. وتظل هذه المسألة مرتبطة بما سيُكشف لاحقاً عن طبيعة التعاون ومستوى التنسيق العسكري والاستخباراتي بين الطرفين.
ليبيا ـ تعزيز مراقبة الحدود الشمالية
تواجه تشاد وليبيا تحديات أمنية مرتبطة باتساع المناطق الصحراوية وصعوبة مراقبة الحدود، فضلاً عن تحركات الجماعات المسلحة وشبكات التهريب العابرة للصحراء.
وقد يتيح تعزيز القدرات العسكرية التشادية، إذا شمل تقنيات المراقبة والاستطلاع والتدريب المتخصص، تحسين قدرة نجامينا على مراقبة حدودها الشمالية. وفي المقابل، فإن توسيع الدعم الفرنسي ليشمل معلومات أو ترتيبات أمنية مرتبطة بالملف الليبي قد يمنح باريس قنوات إضافية للتعامل مع التطورات في جنوب ليبيا.
لكن تأثير ذلك على الداخل الليبي سيظل رهناً بطبيعة التعاون الفعلي، ولا يمكن افتراض أن استئناف الشراكة الفرنسية التشادية يعني وجود خطة للتدخل في ليبيا أو التأثير المباشر في أطراف الصراع هناك.
السودان ـ حساسية خاصة بسبب الحرب وتداخل الحدود
تكتسب الحدود التشادية السودانية أهمية متزايدة في ظل الحرب المستمرة في السودان وما ترتب عليها من نزوح واسع للسكان وتحديات إنسانية وأمنية.
وفي هذا السياق، قد يسهم تعزيز قدرات الجيش التشادي في دعم مراقبة الحدود ومواجهة التهريب والتعامل مع المخاطر الأمنية العابرة للحدود. غير أن أي تعاون فرنسي يتصل بالمعلومات الاستخباراتية أو مراقبة التحركات العسكرية المرتبطة بالسودان قد تكون له أبعاد سياسية تتجاوز الأمن الحدودي المباشر.
وتكمن الحساسية هنا في ضرورة التمييز بين دعم أمن الأراضي التشادية وبين أي دور محتمل في ترتيبات النزاع السوداني. فلا يكفي الإعلان عن استئناف التعاون العسكري للاستنتاج بأن باريس ستنخرط في الحرب السودانية أو ستستخدم الأراضي التشادية لدعم أي طرف فيها.
جمهورية إفريقيا الوسطى ـ حسابات النفوذ والأمن الحدودي
تتأثر جمهورية إفريقيا الوسطى بالتطورات الأمنية في تشاد بسبب الحدود المشتركة وتشابك التحديات الأمنية في المنطقة، إلى جانب حساسية علاقاتها بالقوى الخارجية.
وقد يؤدي تعزيز التعاون الفرنسي التشادي إلى إعادة طرح تساؤلات بشأن مستقبل الدور الفرنسي في وسط إفريقيا، خصوصاً إذا اتسع التعاون ليشمل تنسيقاً أمنياً أو تبادل معلومات يتعلق بالحدود الجنوبية لتشاد.
ومن المحتمل أن تنظر بانغي إلى هذه التطورات من زاويتين: إمكانية الاستفادة من تحسن الأمن الحدودي، واحتمال تغير توازنات النفوذ الخارجي في محيطها. غير أن أي استنتاج بشأن انعكاس مباشر على الترتيبات الأمنية داخل جمهورية إفريقيا الوسطى يتطلب معلومات عن طبيعة التعاون التنفيذي، وليس مجرد إعلان النوايا.
الكاميرون ـ الأمن المشترك في حوض بحيرة تشاد
ترتبط الكاميرون بتشاد بعلاقات أمنية مهمة، ولا سيما في المناطق المتأثرة بنشاط الجماعات المسلحة في حوض بحيرة تشاد.
وقد ينعكس تطوير القدرات العسكرية التشادية إيجاباً على التعاون الحدودي وتبادل المعلومات ومواجهة تحركات الجماعات المسلحة، إذا جرى توظيف الدعم الفرنسي في هذا الاتجاه بالتنسيق مع الشركاء الإقليميين.
وفي المقابل، فإن أي توسع في الترتيبات العسكرية خارج الإطار الثنائي قد يثير تساؤلات بشأن توزيع الأدوار الأمنية بين دول المنطقة، خصوصاً إذا لم يصاحبه تنسيق واضح مع السلطات الكاميرونية وبقية الشركاء المعنيين.
نيجيريا – ارتباط مباشر بأمن حوض بحيرة تشاد
تُعد نيجيريا من الدول المعنية مباشرة بالتطورات الأمنية في محيط تشاد، بالنظر إلى التهديدات التي تواجه منطقة حوض بحيرة تشاد، بما في ذلك نشاط جماعة بوكو حرام وتنظيم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا.
ومن هذا المنطلق، يمكن أن يسهم تعزيز قدرات الجيش التشادي في تحسين التنسيق الأمني مع نيجيريا، وتطوير مراقبة الحدود، والحد من حرية حركة الجماعات المسلحة عبر المناطق الحدودية، شريطة أن يترجم التعاون إلى إجراءات عملية مشتركة.
لكن إذا اتجه التعاون الفرنسي التشادي إلى ترتيبات أمنية تقتصر على الشراكة الثنائية، فقد يظل أثره الإقليمي محدوداً ما لم يرتبط بآليات التنسيق القائمة بين دول حوض بحيرة تشاد.
التقدير الإقليمي:-
تكشف خريطة دول الجوار أن تداعيات التقارب الفرنسي التشادي ليست واحدة. فالنيجر معنية بصورة خاصة بموقع تشاد المحتمل في الحسابات الفرنسية الجديدة في الساحل، بينما يرتبط السودان وليبيا بالجانب الحدودي والاستخباراتي، وتتركز مصالح نيجيريا والكاميرون على مكافحة الجماعات المسلحة في حوض بحيرة تشاد، في حين تراقب جمهورية إفريقيا الوسطى أي تغير في توازنات النفوذ والأمن في وسط القارة.
وتبقى النقطة الأساسية هي أن إعلان النوايا يمثل مؤشراً سياسياً على استئناف التعاون، لكنه لا يثبت وحده عودة القوات الفرنسية إلى تشاد أو إقامة قواعد جديدة أو إنشاء ترتيبات عملياتية تستهدف دول الجوار.
وبالنسبة إلى النيجر تحديداً، فإن التطور الأهم الذي يستحق المتابعة هو ما إذا كانت الشراكة الجديدة ستظل إطاراً للتدريب والدعم الفني، أم ستتوسع لتشمل تعاوناً استخباراتياً وعملياتياً يمنح فرنسا قدرة أكبر على متابعة التطورات الأمنية في منطقة الساحل من خلال شريكها التشادي.
تقرير: حسن يوسف زرما

