صحيفة براون لاند السودانية
في سياق إقليمي يتسم بتعقيدات أمنية متزايدة في غرب أفريقيا، برزت المناورات المشتركة بين قوات المسلحة العاجية ونظيرتها الفرنسية كإشارة واضحة إلى تعميق الشراكة الدفاعية بين أبيدجان وباريس. وقد شملت التدريبات مشاركة مظليين من الجانبين واستخدام طائرة النقل العسكرية Airbus A400M Atlas التابعة للجيش الفرنسي، في عمليات إنزال جوي، و”الهبوط الاقتحامي”، وتمارين الإخلاء والاستخراج والإنقاذ.
لكن السؤال الاستراتيجي الأهم: ما جدوى هذه التدريبات المكثفة؟ ولماذا كل هذا الاستعداد والتجهيز؟
أولاً: الجاهزية العملياتية في بيئة إقليمية مضطربة
تشهد منطقة الساحل وغرب أفريقيا تحولات أمنية عميقة، مع تصاعد تهديدات الجماعات المسلحة العابرة للحدود، وتزايد هشاشة بعض الدول المجاورة. ورغم أن Côte d’Ivoire تُعد من أكثر الدول استقرارًا نسبيًا في المنطقة، فإن موقعها الجغرافي يجعلها عرضة لتداعيات عدم الاستقرار في مالي وبوركينا فاسو.
التدريب المشترك مع قوة عسكرية محترفة كالجيش الفرنسي يتيح للقوات الإيفوارية:
رفع مستوى الجاهزية القتالية للوحدات الخاصة.
تحسين قدرات الانتشار السريع عبر الجو.
اكتساب خبرات في إدارة العمليات المعقدة متعددة الأبعاد.
التركيز على الإنزال الجوي والإخلاء يشير بوضوح إلى سيناريوهات تدخل سريع لمواجهة تهديدات مفاجئة، سواء كانت إرهابية أو مرتبطة بأزمات داخلية أو إقليمية.
ثانياً: نقل الخبرة والتكنولوجيا
تمثل التدريبات المشتركة منصة لنقل المعرفة العملياتية، خصوصًا في مجالات:-
-التخطيط التكتيكي للعمليات المحمولة جوًا.
-التنسيق بين القوات البرية والجوية.
-استخدام وسائل النقل العسكري الاستراتيجي مثل A400M.
فرنسا تمتلك خبرة طويلة في عمليات الساحل، سواء عبر عملية “برخان” سابقًا أو من خلال انتشارها العسكري في أفريقيا. الاستفادة من هذه الخبرة يمنح أبيدجان قدرة على تطوير عقيدتها العسكرية بما يتماشى مع طبيعة التهديدات الحديثة.
ثالثاً: الرسائل السياسية والاستراتيجية
لا يمكن فصل البعد العسكري عن الرسائل السياسية. في ظل إعادة تموضع فرنسا في أفريقيا بعد انسحابها من عدة دول في الساحل، يشكل تعميق التعاون مع ساحل العاج مؤشرًا على:-
-استمرار النفوذ الفرنسي في خليج غينيا.
-تعزيز الشراكات مع الدول المستقرة بدل الاقتصار على مناطق النزاع.
-إعادة بناء صورة التعاون العسكري على أساس “الشراكة” بدل “التدخل”.
من جانبها، تسعى أبيدجان إلى:-
-تنويع شراكاتها الدفاعية مع الحفاظ على حليف تقليدي.
-تعزيز مكانتها كفاعل أمني إقليمي.
-طمأنة المستثمرين بأن أمنها الداخلي مدعوم بقدرات احترافية متقدمة.
رابعاً: لماذا هذا المستوى من الاستعداد والتجهيز؟
استخدام طائرة نقل استراتيجية، وتنفيذ تمارين اقتحام وإخلاء، ليس مجرد استعراض عسكري. بل يعكس استعدادًا لسيناريوهات تشمل:-
-مكافحة الإرهاب في المناطق الحدودية الشمالية.
-حماية المصالح الاستراتيجية والبنية التحتية الحيوية.
-التدخل السريع لدعم دول مجاورة في إطار تعاون إقليمي.
-عمليات إنقاذ رهائن أو إجلاء رعايا في حالات الطوارئ.
في عالم تتداخل فيه التهديدات التقليدية وغير التقليدية، تصبح المرونة وسرعة التحرك عنصرين حاسمين في أي عقيدة دفاعية حديثة.
خلاصة استراتيجية
إن التدريبات المكثفة بين قوات ساحل العاج وفرنسا لا تعكس فقط تعاونًا عسكريًا تقنيًا، بل تعبر عن رؤية استراتيجية مشتركة تقوم على:-
-الاستباق بدل رد الفعل.
-بناء قدرات وطنية مستدامة.
-تعزيز الاستقرار الإقليمي في مواجهة بيئة أمنية متغيرة.
وبينما قد يراها البعض مجرد مناورات روتينية، فإن القراءة المتأنية تشير إلى أنها جزء من إعادة هندسة التوازنات الأمنية في غرب أفريقيا، حيث تسعى الدول المستقرة إلى تحصين نفسها مبكرًا قبل أن تمتد إليها تداعيات الفوضى الإقليمية.
