في أعماق الصحراء الكبرى، حيث تتلاقى حدود ليبيا وتشاد والسودان، تُدار إحدى أهم شبكات الإمداد في حرب السودان بعيداً عن الأضواء الكاشفة وبنشاط مستمر يتميز بهدوء مدروس. تتبع هذا التحقيق الاستقصائي كيف تحولت كتيبة سبل السلام من مجرد قوة محلية إلى العقدة المركزية والشريان المغذي لعمليات قوات الدعم السريع (RSF) عبر شبكة ممرات صحراوية غير رسمية ومرنة.
كتيبة سبل السلام: من قوة محلية إلى لاعب إقليمي
تتبع الكتيبة اسمياً للجيش الوطني الليبي في الشرق، وتتمركز بشكل أساسي في مدينة الكفرة (جنوب شرق ليبيا) تحت قيادة عبد الرحمن هاشم الكيلاني.
وتكشف مصادرنا الميدانية والمعلومات التي تتبعناها على مدار الأشهر الماضية، أن الكتيبة نجحت في إعادة هيكلة الشبكات اللوجستية بالكامل لتفرض سيطرتها الشاملة على سلاسل الإمداد المتجهة جنوباً، مستفيدة من معرفة جغرافية دقيقة وروابط قبلية وثيقة، لاسيما مع مجموعات التبو التي تمتلك جغرافيا الأرض وتعرف دروبها المعقدة لتفادي الطرق الرسمية والضربات الجوية.
تفكيك محاور المسار: خطوة بخطوة
تنقسم خطوط الإمداد التي رصدناها إلى ثلاث مراحل تكتيكية رئيسية:
1. نقطة البداية والعقدة الرئيسية (الكفرة)
تُمثل المدينة الارتكاز الخلفي الأساسي للتخزين والتوزيع. وتشمل شبكتها قواعد خلفية متقدمة تبعد حوالي 77 كم جنوب غرب الكفرة للتخفي، بالإضافة إلى مطار الكفرة الخاضع لسيطرة سبل السلام، والذي يُستخدم لاستقبال الطائرات وتخزين العتاد النوعي، ومنه تنطلق القوافل عبر دروب ترابية غير ممهدة.
2. المرحلة الوسطى: الاختراق عبر مثلث العوينات
تتجه القوافل جنوباً وجنوب غرب عبر الصحراء الكبرى، لتمر عبر مثلث العوينات الاستراتيجي الحاكم عند التقاء حدود (ليبيا – السودان – مصر)، وهي منطقة فرضت قوات الدعم السريع سيطرتها عليها بدعم مباشر من الكتيبة. يبرز هنا:
-جبل العوينات: المعلم الجغرافي البصري والتاريخي الأشهر لتوجيه قوافل الصحراء.
-جبل أركنو: المحطة اللصيقة بالمثلث والتي شهدت مواجهات عسكرية لتأمين المرور.
3. المرحلة النهائية: بوابات العبور إلى شمال دارفور
تتفرع الممرات عند اقترابها من الحدود التشادية؛ فرع يخترق العمق التشادي، وفرع يعبر مباشرة إلى الداخل السوداني خارج المعابر الرسمية، لينفتح على شبكة بلدات وأودية حاسمة:
-الطينة : الشريان الحدود الأبرز؛ تسيطر عليها قوات الدعم السريع، وتُعد معبراً لوجستياً فوق العادة.
– وادي الأطرون: وادٍ جاف وعميق يُستغل للتنقل والاختباء من الرصد الجوي.
-نقاط الانتشار والوصول: تتوزع الشحنات عبر (كرنوي، كرب الطوم، والملحة)، وصولاً إلى المحطات الداخلية المتقدمة مثل (أبو قمرة و أم برو) التي تُغذي جبهات الفاشر وبقية مدن دارفور.
4-مسار الكفرة ، تشاد ، دارفور:-
تفكيك الفرع التشادي: شبكة الأودية والالتفاف الصامت
تكشف مصادر التحقيق الميدانية أن القوافل التي تختار اختراق الأراضي التشادية لا تسلك طرقاً تجارية، بل تعتمد على جغرافيا قاسية تقع في إقليم إنيدي شرق تشاد.
تبدأ الرحلة بالتخفي في منخفضات هضاب فادا، قبل أن تنطلق القوافل عبر بطن وادي هور الجاف، وهو الممر الطبيعي الأبرز الذي يربط شرق تشاد بشمال دارفور ويمنح الشاحنات غطاءً شجرياً يحميها من الرصد الجوي.
وتتحرك الشحنات عبر ظهير بلدة أم جرس صعوداً نحو كارياري وباهاي، وهي نقاط التماس الإقليمية التي تتدفق منها الإمدادات لتلتقي بـ الطينة وكرنوي، مما يجعل الحدود الشرقية لتشاد بمثابة رئة لوجستية بديلة تُدار بعيداً عن أعين الرقابة الرسمية في نجامينا.
هذا الإضافة ستمنح تحقيقك دقة تكتيكية عالية جداً، لأنها تحدد بالأسماء والممرات الطبيعية (مثل وادي هور ومنطقة كارياري) الطرق الفعلية التي تستخدمها القوافل
أساليب النشاط والتكتيك العملياتي:-
وفقاً لتقصينا الميداني وتحليل صور الأقمار الصناعية، تعمل سبل السلام كمنظم وحامٍ متكامل للمسار:
١ـاللوجستيات وصيانة الآليات: تأمين تدفق براميل الوقود وقطع الغيار، وتحويل قواعد الكفرة إلى ورش لتعديل مركبات (تويوتا) لتهيئتها تكتيكياً للحرب الصحراوية.
٢-العتاد والأسلحة: تنسيق عمليات النقل البري السري للأسلحة والذخائر عبر الحدود مستغلة الأودية الجافة للاختباء.
٣-ملف المرتزقة الأجانب: تسهيل نقل المرتزقة الكولومبيين (من قدامى المحاربين) عبر الكفرة كمحطة توقف رئيسية قبل دخولهم دارفور للعمل كمشغلين للمسيرات ومقاتلين نوعيين.
٤-الإسناد الميداني: انخراط وحدات أرضية من الكتيبة في مرافقة قتالية لقوافل الدعم السريع وتوفير الحماية لها.
الملاحظات الميدانية والوضع الراهن:-
تؤكد المعطيات الميدانية الحاضرة أن هذه المسارات ديناميكية وليست ثابتة؛ بل تعيد تشكيل نفسها مراراً حسب حجم الضغوط وضربات الجيش السوداني.
وحتى الساعات الماضية، لم تُسجل أي تحركات كبرى علنية على الأرض، إلا أن تكتيك التسريب الروتيني الصغير (تحرك قوافل صغيرة متفرقة لتفادي الطيران) لا يزال مستمراً بنشاط يومي فعال تحت رمال الصحراء.
و هكذا نجحت هندسة اللوجستيات لكتيبة “سبل السلام” في تحويل البيئة الصحراوية النائية إلى ميزة استراتيجية وقناة إمداد حيوية لقوات الدعم السريع. وطالما بقيت هذه الممرات البديلة غير الرسمية نشطة وخارج نطاق الرقابة، فإن العمق الصحراوي سيظل يمد الصراع بعوامل البقاء، مما يجعل السيطرة على جغرافيا شمال دارفور مرتبطة بمدى القدرة على تجفيف شبكات التوزيع المنطلقة من الكفرة.
