في ليلة 25 ديسمبر (كانون الأول) 2025، وبينما كانت العواصم الغربية مستغرقة في احتفالات أعياد الميلاد، تحول أقصى الشمال الغربي لجمهورية نيجيريا إلى مسرح لعملية عسكرية أمريكية خاطفة وصفتها واشنطن بـ “القوية والقاتلة”. الضربة التي استهدفت معسكرات ومواقع في ولاية سوكوتو المحاذية للحدود المفتوحة مع جمهورية النيجر وإقليم الساحل، فتحت الباب أمام تحولات جيوسياسية كبرى، وجاءت بتوجيه مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد فترة وجيزة من تصنيف واشنطن لنيجيريا ضمن “الدول محل القلق الخاص” في أكتوبر 2025 بذرائع ترتبط بحماية الأقليات الدينية.
الهندسة العملياتية: القصف من أعالي البحار
وفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (AFRICOM) ووزارة الإعلام النيجيرية، تميزت الهجمة بخصائص تكتيكية فائقة الدقة والتعقيد عبر المنصات البحرية ونقطة الانطلاق: أُطلقت الصواريخ من المياه الدولية لخليج غينيا (جنوب نيجيريا)، مما أتاح للمدمرات الأمريكية التحرك بحرية خارج المياه الإقليمية النيجيرية مع الحفاظ على المدى العملياتي لضرب العمق. ونُفذت الضربة عبر مدمرات الصواريخ الموجهة من طراز “أرلي بيرك باستخدام نظام الإطلاق العمودي الكثيف والسريع.
مع المقذوف المستخدم، أطلق البنتاغون حوالي 12 صاروخاً من طراز “توماهوك في تتابع سريع لشل حركة المعسكرات دفعة واحدة. وقطعت الصواريخ مسافة تتراوح بين 700 إلى 900 كيلومتر بسرعة تحت صوتية تبلغ 880 كم/ساعة، معتمدةً أسلوب الطيران المنخفض جداً الملاصق للتضاريس للاختفاء عن الرادارات التقليدية وعبور الأجواء النيجيرية دون إحداث جلبة قبل الانفجار.و مع منظومة التوجيه الثلاثية، جرى توجيه المقذوفات بدقة عبر نظام الأقمار الصناعية (GPS) لتحديد الإحداثيات الثابتة، ونظام مطابقة التضاريس للمقارنة بين التضاريس الفعلية والخرائط المخزنة، بالإضافة إلى التوجيه الرقمي الكهروبصري في المرحلة النهائية، والذي التقط صوراً حية للمخابئ والآليات والمباني الطينية لمطابقتها وتوجيه ضربة نقطية مباشرة.
المسار الجوي وارتدادات الميدان: قلق في “جابو” وتدمير في “تاندامي”
استغرقت رحلة الصواريخ عبر الاختراق الرأسي للأجواء النيجيرية من الجنوب إلى الشمال الغربي أقل من ساعة. ونظراً لكثافة القصف في بيئة سافانا مفتوحة، عثرت الفرق الأمنية النيجيرية لاحقاً في ضواحي بلدة جابو (منطقة تامبووال) على بقايا قطع معدنية ومواد غير منفجرة (UXO). ويرجح المحللون العسكريون أن هذه المخلفات إما أنها أجزاء من محركات الدفع الصاروخية المنفصلة تلقائياً، أو صواريخ انحرفت طفيفاً عن مسارها بسبب كثافة القصف للموقع المقابل في تانغازا.
ميدانياً، توزعت معالم الضربة وتأثيراتها بين منطقتين إداريتين (مجالس محلية) رئيسيتين في ولاية سوكوتو هما :-
1- منطقة تانغازا: وهي البؤرة الحقيقية للعملية العسكرية؛ حيث استهدفت الصواريخ في قرية تاندامي (النقطة الصفرية) معسكراً محصناً ومخفياً بعناية تسيطر عليه جماعة “لاكوراوا” المتطرفة، مستغلة قرب القرية من الحدود الإدارية لبلدية إيليلا والحدود الدولية لتكون نقطة ارتكاز عابرة للحدود.
2- منطقة تامبووال: تقع جنوب تانغازا، وشهدت ارتدادات قوية، حيث عاش سكان بلدة جابو والمزارعون ليلة عصيبة جراء دوي الانفجارات التي هزت المنازل وتحولت معها السماء إلى اللون الأحمر، قبل أن تعثر فرق تفكيك المتفجرات على المخلفات (UXO) على بعد نحو نصف كيلومتر من المناطق المأهولة.
ملاذات غابة “بوني” والأودية الجافة:-
تفتقر ولاية سوكوتو للسلاسل الجبلية المرتفعة، وتتفرد بطبيعة السافانا الجافة والتكوينات الشجرية الكثيفة. وتعتبر غابة بوني الغطاء النباتي الأبرز في تانغازا وأكبر معاقل المجموعات المسلحة؛ إذ تمثل معقلاً جغرافياً حصيناً يصعب اختراقه برياً بالآليات العسكرية التقليدية. وقد استغلت جماعة “لاكوراوا” وعناصر من تنظيم “داعش في الساحل” كثافة الأشجار لإقامة معسكرات تدريب ومخازن لوجستية بعيداً عن أعين الرقابة.
وتتقاطع في هذه البيئة شبكة من الأودية الجافة (أحواض الفاداما التي تمتلئ بالمياه في موسم الأمطار وتتحول صيفاً وشتاءً إلى مسارات ترابية وعرة تُستغل كطرق إمداد وتسلل روتينية لربط المعاقل بين النيجر ونيجيريا بعيداً عن الطرق المعبدة والمنافذ الرسمية.
التنسيق الثنائي: كواليس الغرف المغلقة:-
أكدت الحقائق الميدانية أن الضربة لم تكن قراراً أمريكياً أحادياً، بل سبقتها أسابيع من تبادل المعلومات الاستخباراتية ضمن غرفة عمليات مشتركة ضمت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA)، ووكالة الاستخبارات النيجيرية (NIA)، ومديرية المخابرات العسكرية (DMI) في أبوجا.
وجرى رصد الهدف وتتبع تحركات جماعة “لاكوراوا” و”داعش” في غابة بوني وقرية تاندامي عبر طائرات استطلاع أمريكية بدون طيار تقلع من قواعد بالمنطقة، بالتنسيق مع معلومات ميدانية قدمها مخبرون محليون للجيش النيجيري. وبناءً على هذه المعطيات، أُطلع الرئيس النيجيري بولا تينوبو -بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة- على الخطة والإحداثيات، ومنح موافقة رسمية مكتوبة ومسبقة مكنت الجانب الأمريكي من تنفيذ الهجوم الجراحي السريع، نظراً لعدم امتلاك سلاح الجو النيجيري حينها للقدرات الصاروخية الدقيقة بعيدة المدى للتعامل مع هذا الهدف المحصن في تلك الليلة.
وفي هذا السياق، خرج وزير الخارجية النيجيري يوسف توغار نافياً الشائعات التي تحدثت عن انتهاك السيادة النيجيرية، مؤكداً التنسيق الكامل ومشدداً على أن العملية ضربت أهدافها بدقة دون نيران صديقة أو مساس بالمنشآت السيادية الوطنية.
هوية التنظيم المستهدف وتناقض الخطاب السياسي:-
بينما أعلنت الإدارة الأمريكية رسمياً أن الهدف هو معاقبة وتدمير خلايا تابعة لتنظيم داعش (ISIS)، يشير الخبراء الأمنيون في غرب إفريقيا والساحل إلى أبعاد أكثر تعقيداً حيث يرجح المحللون الميدانيون أن المستهدف الفعلي هي جماعة لاكوراوا ، و هي جماعة متطرفة صنفتها السلطات النيجيرية تنظيماً إرهابياً أواخر عام 2024، وتنشط بقوة في المناطق الحدودية بين نيجيريا والنيجر (خاصة سوكوتو وكبي)، وتتداخل في أدبياتها وتكتيكاتها مع التنظيمات الجهادية العابرة للحدود مستغلة الفراغ الأمني وتهريب السلاح.
الجدل السياسي الطائفي:-
أثارت الضربة تبياناً في صياغة الأهداف؛ حيث ركز خطاب الرئيس الأمريكي ووزير دفاعه بيت هيغسيث على “البُعد الديني”، معتبرين الضربة رداً لحماية المسيحيين وضد “ذبح الأبرياء” في الشمال. في المقابل، تحفظت الحكومة النيجيرية والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) على هذا التأطير الديني، وأكدت أبوجا أن الجماعات الإرهابية وعصابات الجريمة المنظمة (“البانديتس”) تستهدف المدنيين بشكل عشوائي دون تفرقة بين مسلم ومسيحي، وأن حل الأزمة ينطلق من أبعاد أمنية وتنموية وليست طائفية.
قراءة في التداعيات والمؤشرات المستقبلية:-
تؤسس ضربة سوكوتو الصاروخية لمعادلة أمنية جديدة في المنطقة يمكن تلخيصها في ثلاثة مؤشرات استراتيجية التالية:-
1/ ملاحقة ممرات الساحل: تعكس العملية رغبة واشنطن الصارمة في قطع قنوات الاتصال والمد اللوجستي بين الجماعات المتطرفة في وسط مالي والنيجر والخلايا الناشطة شمال نيجيريا.
2/ اعتماد عقيدة “القوة عن بُعد”: يبرز استخدام صواريخ “التوماهوك” من المنصات البحرية استراتيجية أمريكية بديلة لضرب أهداف في عمق القارة الإفريقية دون الحاجة لتثبيت قواعد عسكرية برية كبرى، لا سيما بعد المتغيرات السياسية الأخيرة في النيجر وتشاد.
3/ تحديات العمل الاستخباراتي: تظل الكفاءة العملياتية لهذه الضربات محط تقييم بين مراكز الأبحاث؛ نظراً للطبيعة الديناميكية وشديدة التحرك للمجموعات المسلحة وقدرتها على التخفي والتموضع المستمر في بيئات معقدة كغابات وأودية سوكوتو.
