صحيفة براون لاند السودانية
تشهد العلاقة بين تشاد وفرنسا مرحلة إعادة صياغة دقيقة، خاصة بعد الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس التشادي محمد ادريس دبي إلى قصر الاليزيه . هذه الزيارة لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق الإقليمي المتوتر، وعلى رأسه الحرب الدائرة في Sudan، والتحديات الأمنية الداخلية التي تواجهها نجامينا، خصوصًا خطر عودة الحركات المتمردة عبر الحدود.
أولًا: تشاد بين نارين – حرب السودان والهشاشة الحدودية
منذ اندلاع الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، تحولت الحدود التشادية–السودانية إلى خاصرة رخوة أمنيًا وإنسانيًا. فالتداعيات لا تقتصر على تدفق مئات الآلاف من اللاجئين، بل تمتد إلى:
انتشار السلاح في إقليم دارفور المتاخم لتشاد؛
تحركات جماعات مسلحة عابرة للحدود؛
احتمالات استغلال الفوضى السودانية من قبل متمردين تشاديين لإعادة تنظيم صفوفهم.
تاريخيًا، شكّلت الأراضي السودانية ملاذًا لبعض الفصائل التشادية المعارضة، كما استخدمت الحدود الطويلة كخطوط إمداد. لذلك، تنظر نجامينا بقلق إلى أي فراغ أمني في دارفور، خشية أن يتحول إلى منصة لزعزعة الاستقرار الداخلي.
ثانيًا: هاجس المتمردين واستقرار النظام
منذ مقتل الرئيس إدريس ديبي عام 2021، تواجه السلطة الانتقالية بقيادة ابنه، الرئيس الحالي، تحديًا مزدوجًا:
تثبيت الشرعية السياسية داخليًا؛
منع عودة سيناريو التمرد المسلح الذي طالما هدد العاصمة.
ورغم نجاح السلطة في احتواء بعض الفصائل عبر الحوار، فإن البيئة الإقليمية المتقلبة قد تعيد إحياء مشاريع التمرد، خاصة إذا ما توفرت لها حاضنة جغرافية في السودان أو دعم غير مباشر من أطراف إقليمية متنافسة.
ثالثًا: فرنسا وإعادة تعريف الشراكة الأمنية
انسحاب القوات الفرنسية من تشاد لم يكن نهاية التعاون العسكري، بل بداية مرحلة أكثر حذرًا وأقل ظهورًا إعلاميًا. باريس، التي أعادت ترتيب وجودها العسكري في الساحل بعد الانسحاب من مالي والنيجر، تدرك أن تشاد تمثل:
نقطة ارتكاز جيوسياسية في قلب الساحل والصحراء؛
حاجزًا أمام تمدد الجماعات المتطرفة نحو وسط إفريقيا؛
شريكًا تقليديًا في ملفات مكافحة الإرهاب.
لكن المعادلة تغيرت. فنجامينا تسعى اليوم إلى شراكة متوازنة تحفظ سيادتها وتتنوع فيها الخيارات الدولية، بينما تحرص باريس على الحفاظ على نفوذها دون الظهور كقوة وصاية.
رابعًا: تقاطع المصالح في ظل حرب السودان
في ضوء الحرب السودانية، تتقاطع المصالح الفرنسية والتشادية في عدة نقاط:
1. منع انهيار أمني شامل في دارفور قد يهدد الاستقرار الإقليمي؛
2. مراقبة تحركات الجماعات المسلحة ومنع إعادة تموضع المتمردين التشاديين؛
3. احتواء تداعيات إنسانية قد تتحول إلى أزمة سياسية داخل تشاد.
هنا يتخذ التعاون الأمني طابعًا استباقيًا: تبادل معلومات استخباراتية، دعم لوجستي، وتنسيق غير معلن بشأن مراقبة الحدود.
خامسًا: سيناريوهات المرحلة المقبلة
يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
سيناريو الاستقرار الحذر: احتواء تداعيات حرب السودان، وتعزيز التنسيق الأمني بين نجامينا وباريس، مع تقدم بطيء في المسار التنموي.
سيناريو الانفلات الحدودي: توسع رقعة القتال في دارفور، وعودة نشاط متمردين تشاديين، ما قد يدفع تشاد إلى طلب دعم أمني أوسع.
سيناريو إعادة التموضع الإقليمي: تنويع تشاد لشركائها الدوليين (روسيا، تركيا، دول الخليج)، بما يعيد تشكيل ميزان النفوذ الفرنسي.
في الختام
التقارب التشادي–الفرنسي ليس مجرد إعادة دفء لعلاقة تاريخية، بل هو تموضع استراتيجي في لحظة إقليمية حساسة. فنجامينا تدرك أن أمنها الداخلي مرتبط مباشرة بمآلات الحرب في السودان، وأن أي اضطراب في دارفور قد ينعكس سريعًا على استقرارها السياسي.
أما باريس، فترى في تشاد آخر معاقل نفوذها العسكري المنظم في الساحل، وتسعى إلى الحفاظ على شراكة واقعية قائمة على المصالح المتبادلة لا على الإرث الاستعماري.
في المحصلة، تشاد تتحرك بين هاجسين: تفادي انتقال عدوى الحرب السودانية، ومنع بعث التمرد من جديد. وبين هذين التحديين، تتشكل ملامح فصل جديد من العلاقة مع فرنسا — فصل عنوانه الأمن أولًا، لكن بشروط سيادية أوضح من أي وقت مضى.
