صحيفة براون لاند السودانية
1. تمهيد
شهد شهر فبراير 2026 تصعيداً دراماتيكياً في وتيرة العمليات الإرهابية، حيث سُجل مقتل 101 شخصاً في حوادث أمنية متفرقة. تظهر القراءة الاستراتيجية للبيانات تحولاً نوعياً في تكتيكات الجماعات المسلحة، التي باتت تركز على استنزاف القوات النظامية (قوات الدفاع والأمن FDS) والميليشيات الرديفة، بالتوازي مع استغلال التوترات العرقية لتعميق حالة عدم الاستقرار.
2. التحليل الجغرافي وديناميكيات الصراع
تُبرز الإحصائيات تركزاً شديداً للعنف في المناطق الحدودية، مما يعكس تحديات السيادة في الأطراف:
* إقليم تيلابيري (61.4% من الهجمات): لا يزال يمثل “مركز الثقل” للتمرد المسلح. الموقع الاستراتيجي في المثلث الحدودي يمنح التنظيمات حرية المناورة اللوجستية، حيث تحول الإقليم إلى جبهة استنزاف مفتوحة تستهدف القواعد العسكرية وحياة المدنيين على حد سواء.
* إقليم دوسو (21.8%): يمثل هذا الإقليم “الجبهة الناشئة” الأكثر خطورة. سجل الإقليم قفزة نوعية في العمليات، مما يشير إلى نجاح الجماعات المسلحة في اختراق مناطق كانت تُصنف سابقاً “آمنة نسبياً”، وتهديد المحاور الاستراتيجية المؤدية إلى بنين ونيجيريا.
* إقليمي ديفا ومارادي: استمرار نشاط الجماعات المرتبطة بـ “داعش غرب أفريقيا” (ISWAP) وعصابات الخطف، مع غلبة طابع الجرائم العابرة للحدود والعبوات الناسفة.
3. خارطة الفاعلين والأنماط العملياتية
تهيمن عدة أطراف على المشهد الميداني، حيث يتصدر “تنظيم الدولة في الصحراء الكبرى” (EIGS) قائمة الجهات الأكثر دموية بمسؤوليته عن 51.5% من الوفيات، معتمداً على تكتيكات الصدمة والترويع واستهداف القرى الحدودية.
تأتي “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” (JNIM) في المرتبة الثانية بنسبة 12.9%، مركزة على التوغل في القرى النائية وفرض الجبايات. كما يبرز دور “جماعة لاكوراوا” (ISSP) كتنظيم صاعد بدأ يثبت وجوده عبر الكمائن النوعية في “دوسو”. ومن الناحية الاجتماعية، يمثل العنف الطائفي (12.9%) مؤشراً خطيراً على تفكك النسيج الاجتماعي نتيجة الصراع على الموارد والمجال الحيوي.
4. التقييم الاستراتيجي والمخاطر المستقبلية
* استهداف الحاضنة الشعبية: تركز الجماعات المسلحة على تصفية الميليشيات المحلية (26 قتيلاً في أنزورو نموذجاً) لعزل الجيش عن ظهيره الشعبي وتجريد المجتمعات من قدرات الدفاع الذاتي.
* تكتيك “الإنهاك الصامت”: الاعتماد المتزايد على العبوات الناسفة (EEI) يهدف إلى تقييد حركة الوحدات العسكرية النيجرية، مما يؤدي إلى “شلل عملياتي” في المحاور البرية الحيوية.
* أزمة المصداقية والمؤسسة العسكرية: تتوارد تقارير عن استياء صامت داخل الثكنات بسبب التعتيم الرسمي على الخسائر البشرية، مما قد يؤثر مستقبلاً على الروح المعنوية والولاء التنظيمي للوحدات الميدانية.
* توسع النطاق الجغرافي: إن انتقال الثقل العملياتي نحو “دوسو” و”نيامي” يشير إلى أن التنظيمات الإرهابية باتت تمتلك القدرة على اختراق العمق الأمني للدولة، وتجاوز نطاق “المثلث الحدودي” التقليدي.
5. التوصيات الاستراتيجية
* ضرورة مراجعة الخطط الدفاعية في إقليم “دوسو” لمنع تحوله إلى بؤرة دائمة للنزاع.
* تفعيل آليات المصالحة الوطنية والوساطة القبلية للحد من العنف الطائفي المتصاعد.
* تعزيز الشفافية العسكرية تجاه أهالي الضحايا من الجنود لقطع الطريق أمام الدعاية المضادة التي تستغل حالة “الإحباط الصامت”.
