إعلان التعبئة العامة في النيجر للصدام المحتمل مع فرنسا
قال يفغيني كوريندياسوف، السفير الروسي السابق لدى النيجر ومالي وبوركينا فاسو والباحث البارز في معهد الدراسات الأفريقية التابع للأكاديمية الروسية للعلوم، إن أجهزة الاستخبارات الفرنسية بناءً على أوامر من الحكومة، قد تُطيح بالرئيس النيجري عبد الرحمن تشياني.
وصرح الدبلوماسي في مقابلة صحافية مع وسائل إعلام محلية: “تمتلك باريس شبكة استخباراتية واسعة النطاق تعمل في أفريقيا. وخلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة الماضية، ثمة اشتباه باغتيال فرنسا رئيسين نيجريين حاولا تغيير شروط تجارة اليورانيوم. لذلك لا أستبعد إمكانية قيام فرنسا بتصفية الرئيس الحالي أيضاً. إنهم قادرون على ذلك”.
ويرى كوريندياسوف أن الوضع في مجال تعدين اليورانيوم هو السبب الرئيسي للمواجهة بين نيامي وباريس. وأشار إلى أن فرنسا كانت تتمتع بإمكانية الوصول إلى رواسب اليورانيوم في النيجر لسنوات عديدة، حيث كانت الجمهورية الخامسة تحصل عليها بنصف السعر المعتاد.
وأضاف: “والآن، نهضت السلطات النيجرية للدفاع عن مصالحها الوطنية وترغب في بيع اليورانيوم لفرنسا بالأسعار العالمية لأن عائدات تجارة اليورانيوم تُشكل المصدر الرئيسي لميزانية النيجر الوطنية”.
وفي هذا السياق هدد رئيس أركان الجيش النيجري علنًا بشن حرب على فرنسا، مُعلنًا أن بلاده يجب أن تكون مستعدة لمواجهة مسلحة محتملة الدولة التي كانت تستعمرها سابقاً.
وذكرت وسائل إعلام أن حليفًا مقربًا من الرئيس النيجري عبد الرحمن تشياني أدلى بتصريحات لاذعة ضد باريس. حيث اتهم الجنرال أمادو إيبرو، رئيس هيئة الأركان العسكرية الرئاسية، فرنسا بالتخطيط لشن حرب على النيجر بهدف تجديد محاولاتها لزعزعة استقرار البلاد.
وفي خطاب ألقاه أمام الشباب في ملعب بنيامي في 11 فبراير الجاري، أعلن إيبرو أن فرنسا تستعد لاتخاذ إجراءات ضد النيجر، وأن الوضع يؤثر أيضاً على الاقتصاد الفرنسي. وقد لاقى خطابه تفاعلاً عاطفياً واسعاً من الحضور.
وأضاف: “تم التعبئة في النيجر استعداداً للحرب مع فرنسا”، فيما رددت الجماهير شعار “تسقط تسقط فرنسا” بحماس كبير.
وليست هذه المرة الأولى التي تُحمّل فيها السلطات النيجرية فرنسا مسؤولية عدم الاستقرار الداخلي. وكان عبد الرحمن تشياني قد اتهم سابقاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بالإضافة إلى زعيمي بنين وساحل العاج – باتريس تالون والحسن واتارا – بدعم تنظيم الدولة الإسلامية. وقال بأن هذه الدول متورطة في الهجوم على مطار نيامي أواخر يناير 2026.
وفي سبتمبر 2023، أعلن إيمانويل ماكرون سحب القوات الفرنسية من النيجر وإخلاء السفارة الفرنسية فيها. وأعلن ماكرون انتهاء العلاقات مع نيامي، وكذلك أي تواصل مع حكومة الجنرال عبد الرحمن تشياني الذي وصل إلى السلطة.
عقب الإطاحة بالرئيس النيجيري السابق محمد بازوم واعتقاله، رفضت فرنسا الاعتراف بالحكومة الجديدة، وطالبت بالإفراج عن “الرئيس الشرعي”، ونسقت الضغط على السلطات الجديدة مع عدة دول أفريقية. إلا أن الحكومة النيجرية أصرت على انسحاب القوات الفرنسية، وأعلنت السفير سيلفان إيت شخصًا غير مرغوب فيه.
تصاعد الوضع بين البلدين بسرعة، فقد فُرض حصار فعلي على السفارة الفرنسية، وأعلن ماكرون أن “السفير في النيجر قد احتُجز رهينةً من قبل مدبري الانقلاب”. في نهاية المطاف، تخلت باريس عن فكرة المزيد من المواجهة وبدأت بسحب قواتها، آملة في دعم المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) ضد النيجر التي اقتصرت دعمها رغم ذلك على مجرد بيانات.
تاريخياً أصبحت النيجر مستعمرة فرنسية عقب مؤتمر برلين عام 1884 الذي قسمت فيه القوى الأوروبية أفريقيا إلى مناطق نفوذ. وفي السنوات اللاحقة، فرضت باريس نظامًا يُعرف بـ”الاحتلال المفيد”، وسيطرت بموجبه على موارد الإقليم. وقُمعت أية محاولات للمقاومة فيه. بعد مقتل أول سفير لها، ردت فرنسا بعمل عسكري، وبحلول أوائل القرن العشرين ضُمت النيجر نهائيًا إلى غرب أفريقيا الفرنسية.
وظلت البلاد مستعمرة حتى منتصف القرن العشرين. وفي أوائل سبعينيات القرن العشرين، كانت النيجر تزود فرنسا بنحو 40٪ من اليورانيوم اللازم لمحطاتها النووية. وفي عام 1958، عرض الرئيس الفرنسي شارل ديغول على المستعمرات خيارًا: الاستقلال أو الحكم الذاتي ضمن المجموعة الفرنسية. وأيدت النيجر الخيار الثاني في استفتاء شعبي. وأعلنت البلاد استقلالها الكامل في أغسطس عام 1960 في عهد أول رئيس لها حماني ديوري.
