منذ عامي 2022-2023، تعرضت فرنسا لسلسلة من الانتكاسات العسكرية الكبرى في غرب أفريقيا، مع الانسحاب القسري من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، مما أدى إلى نهاية عملية برخان فعلياً وتآكل كبير لنفوذها في الساحل. في مواجهة ذلك، اعتمدت باريس استراتيجية إعادة تهيئة سرية لتواجدها العسكري: تقليص الوجود الظاهر (مثل تسليم معسكر بورت-بويت في ساحل العاج في فبراير 2025)، مع الحفاظ على القدرات العملياتية عبر وحدات خفيفة واتفاقيات ثنائية وتدخلات مؤقتة.
تبرز ساحل العاج وبنين كالعمودين الرئيسيين لهذه الوضعية الجديدة الفرنسية في غرب أفريقيا الناطقة بالفرنسية. هذان البلدان، اللذان يقودهما رؤساء موالون (ألاسانه واتارا وباتريس تالون)، يشكلان نقاط ارتكاز للحفاظ على المصالح الاستراتيجية: الوصول إلى المحيط الأطلسي، مراقبة الحدود الشمالية (نحو الساحل)، مكافحة الإرهاب الجهادي، وحماية الممرات الاقتصادية.
العناصر الواقعية الأخيرة حول الانتشارات
-ساحل العاج: بعد إعلان الانسحاب “المنسق” للقوات الفرنسية في يناير 2025 وتسليم قاعدة بورت-بويت، يبقى رسمياً فصل ارتباط مشترك بين الأسلحة يضم حوالي 80 عسكرياً للتدريب والتمارين المشتركة. تستمر العناصر المؤقتة (بما في ذلك سلاح الجو لتدريب الطيارين في بواكي) ودورات الطيران. أبيدجان تبقى مركزاً لوجستياً إقليمياً رئيسياً.
-جهورية بنين: تقتصر الاتفاقيات العسكرية الثنائية رسمياً على التدريب. ومع ذلك، تم توثيق أنشطة عملياتية أكثر منذ 2024-2025، بما في ذلك رحلات مراقبة (طائرات تجسس تديرها شركات فرعية مثل CAE Aviation) فوق المناطق الحدودية الشمالية (حديقة W، تهديد جهادي).
-حدث رئيسي في ديسمبر 2025: خلال محاولة الانقلاب الفاشلة ضد الرئيس باتريس تالون (7 ديسمبر 2025)، تم نشر قوات خاصة فرنسية من أبيدجان لعمليات تمشيط ودعم أرضي، إلى جانب الضربات النيجيرية وتدخل الإيكواس. أكد الإليزيه دعماً في المراقبة والرصد واللوجستيات بناءً على طلب كوتونو. هذا يمثل أول تدخل عسكري فرنسي مباشر للدفاع عن نظام حليف منذ الانقلابات في الساحل.
-النشاط الأخير (فبراير 2026): تشير مصادر مفتوحة (خاصة مراقبو الطيران) إلى وصول طائرتين نقل ثقيلتين A400M تابعة لسلاح الجو الفرنسي (من قاعدة بو المتخصصة في المظليين والقوات الخاصة) إلى مطار تورو (باراكو، شمال بنين) عبر أبيدجان، مع شحنات ثقيلة محتملة. هذه الحركات الليلية والسرية تشير إلى تعزيز لوجستي أو إعادة نشر لوحدات قوات خاصة.
تحليل النوايا الاستراتيجية المحتملة لفرنسا
تبدو فرنسا تسعى إلى استراتيجية الحفاظ على النفوذ بأسلوب منخفض الظهور (“سري” أو “تحت الرادار”) لتعويض الخسائر في الساحل:
1. احتواء التوسع الجهادي والنفوذ المنافس يشكل بنين وشمال ساحل العاج حاجزاً أمام الجماعات المسلحة النشطة في الساحل (روابط مع تحالف دول الساحل – AES). رحلات الاستخبارات والقوات الخاصة تتيح مراقبة مستمرة وتدخلات سريعة دون قواعد ظاهرة.
2. الحفاظ على نقاط دعم عملياتية: تبقى أبيدجان مركزاً لوجستياً كبيراً (مطار، ميناء). تورو/باراكو في بنين توفر وصولاً إلى الشمال وقرباً من النيجر وبوركينا فاسو. تتيح هذه النقاط إسقاط قوات بسرعة في حال أزمة إقليمية.
3. دعم الأنظمة الحليفة للحفاظ على النفوذ السياسي والاقتصادي: التدخل في بنين عام 2025 يظهر رغبة في الدفاع عن رؤساء موالين لفرنسا ضد الزعزعة الداخلية أو الخارجية. يعزز ذلك الشراكات في الاستخبارات والتسليح والوصول إلى الموارد.
4. تجنب الظهور السياسي في فرنسا**: الانتشارات السرية (دورات طيران ليلية، قوات خاصة بدون إعلان رسمي) تتجاوز ربما المادة 35 من الدستور الفرنسي، التي تفرض إخطار البرلمان بسرعة لأي تدخل خارجي وتصويت بعد 4 أشهر. انتقادات (خاصة من “فرنسا الأبية”) تشير إلى عدم إخطار أو مناقشة برلمانية، مما يثير تساؤلات قانونية وشفافية.
المخاطر والتداعيات الإقليمية
-اتهامات بالاستعمار الجديد: تغذي هذه الأعمال السرد المعادي لفرنسا في دول تحالف الساحل (مالي، بوركينا، النيجر)، التي تتهم باريس باستخدام ساحل العاج وبنين كقواعد خلفية لزعزعة المنطقة.
-توترات مع الإيكواس: رغم التنسيق أحياناً (كما في بنين 2025)، قد تضعف التدخلات الأحادية الفرنسية تماسك المنطقة.
-التطور المحتمل: إذا تأكدت هذه الانتشارات وزادت، فقد تشير إلى تحول نحو وجود أكثر هجومية (مكافحة الإرهاب عبر الحدود)، مع خطر تصعيد مع المجالس العسكرية في الساحل.
الخلاصة:-
بعيداً عن الانسحاب الكامل، تقوم فرنسا بـإعادة ترسيم سري لجهازها العسكري في غرب أفريقيا، مركزة على ساحل العاج وبنين كمنصات للإسقاط والمراقبة. تهدف هذه النهج إلى الحفاظ على رافعات نفوذ استراتيجي في منطقة حاسمة، مع تقليل التعرض السياسي داخلياً وخارجياً.
