أولًا: السياق العام – إفريقيا كساحة تنافس استخباراتي
لم تعد إفريقيا ساحة هامشية في التنافس الدولي، بل تحولت خلال العقدين الأخيرين إلى مسرح رئيسي للصراع الجيوسياسي والاستخباراتي. فالقارة تمثل ، عمقًا استراتيجيًا للأمن القومي العربي و مخزونًا ضخمًا من الموارد الطبيعية والمعادن النادرة.
بالإضافة إلى نقطة ارتكاز حيوية لممرات التجارة العالمية.
مجالًا حيويًا لمبادرة “الحزام والطريق” الصينية.
في هذا السياق، يُفهم أي تحرك مصري–صيني باعتباره جزءًا من إعادة تشكيل موازين النفوذ، وليس مجرد رد فعل أمني محدود.
ثانيًا: الدوافع المصرية – الأمن القومي وملف القرن الإفريقي
بالنسبة لمصر، يرتبط التحرك بثلاثة اعتبارات رئيسية:
1. الأمن المائي وملف حوض النيل
القاهرة تنظر إلى القرن الإفريقي باعتباره امتدادًا مباشرًا لأمنها المائي. أي تمدد استخباراتي إسرائيلي في دول المنبع أو الدول المشاطئة للبحر الأحمر قد يترجم إلى أوراق ضغط استراتيجية.
2. البحر الأحمر وباب المندب
الوجود الإسرائيلي في بعض مناطق القرن الإفريقي يمنح تل أبيب قدرة مراقبة وتأثير في خطوط الملاحة، وهو ما تعتبره القاهرة تهديدًا محتملاً لتوازنات البحر الأحمر.
3. ملف “صومالي لاند”
السعي لمنع دول إفريقية من الاعتراف بـ”صومالي لاند” لا يتعلق فقط بمسألة قانونية، بل بتوازنات إقليمية معقدة. أي اعتراف واسع قد يعيد رسم خرائط النفوذ في القرن الإفريقي ويخلق بيئة مواتية لقوى خارجية لتعزيز وجودها.
ثالثًا: الحسابات الصينية – حماية الاستثمارات ومنع تطويق النفوذ
الصين هي أكبر شريك تجاري لإفريقيا. استثماراتها تمتد من البنية التحتية إلى الموانئ والطاقة والاتصالات. من هذا المنطلق:
بكين ترى في أي نشاط استخباراتي منافس تهديدًا مباشرًا لمشروعاتها.
وجود قواعد أو ترتيبات أمنية منافسة قد يؤثر في أمن خطوط الإمداد.
الحفاظ على استقرار الحكومات الإفريقية شرط أساسي لاستمرار نموذجها الاقتصادي في القارة.
بكين لا تتحرك بدوافع أيديولوجية، بل بمنطق “تحييد المخاطر” وتأمين البيئة الاستثمارية.
رابعًا: لماذا الآن؟
توقيت التحرك – مطلع 2026 بحسب التقرير – قد يعكس عدة متغيرات مع تصاعد حدة الاستقطاب الدول و إعادة تموضع القوى الإقليمية في البحر الأحمر.
كما توسع شبكات النفوذ غير التقليدية (استخبارات، شركات أمنية خاصة، تكنولوجيا مراقبة).
التحالف المصري–الصيني هنا يبدو كاستجابة استباقية، وليس رد فعل متأخرًا.
خامسًا: أدوات المواجهة المحتملة
إذا صحّ الحديث عن “حملة أمنية ودبلوماسية”، فمن المرجح أن تشمل:
1. تحركات دبلوماسية مكثفة مع حكومات إفريقية لاحتواء أي توجهات نحو اعترافات سياسية حساسة.
2. تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي عبر تبادل المعلومات والتدريب.
3. حزم دعم اقتصادي كأداة نفوذ بديلة.
4. تحرك داخل الاتحاد الإفريقي لخلق بيئة قانونية رافضة لأي خطوات أحادية.
المواجهة هنا ليست عسكرية، بل “حرب نفوذ صامتة”.
سادسًا: هل هو اصطفاف ضد إسرائيل أم إعادة توازن؟
من غير المرجح أن يكون الهدف مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بقدر ما هو محاولة لاحتواء النفوذ، لمنع تشكّل واقع جيوسياسي جديد في القرن الإفريقي.
لخلق توازن يمنع احتكار ساحة معينة من قبل طرف واحد.
القاهرة تتحرك بدافع أمني مباشر، بينما بكين تتحرك بدافع اقتصادي–استراتيجي طويل المدى.
سابعًا: السيناريوهات المحتملة
1. سيناريو الاحتواء الناجح
تراجع نسبي في النشاط الاستخباراتي المنافس، مقابل تعزيز الدور المصري–الصيني.
2. سيناريو التصعيد غير المباشر
زيادة سباق النفوذ عبر أدوات اقتصادية وأمنية دون صدام مباشر.
3. سيناريو التوازن البارد
بقاء كل الأطراف ضمن قواعد اشتباك غير معلنة، دون حسم واضح.
خاتمة: إفريقيا بين هندسة النفوذ وإعادة رسم الخرائط
ما يجري يعكس تحول إفريقيا إلى عقدة مركزية في النظام الدولي متعدد الأقطاب.
التقارب المصري–الصيني – إن تأكدت تفاصيله – ليس مجرد تنسيق أمني، بل مؤشر على تلاقي المصالح بين قوة إقليمية وقوة عالمية.و انتقال المنافسة من العلن الدبلوماسي إلى العمق الاستخباراتي و إعادة صياغة معادلة النفوذ في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
المشهد لا يتجه نحو مواجهة مباشرة، بل نحو “إدارة تنافس” طويل الأمد، حيث تصبح الدبلوماسية، والاقتصاد، والاستخبارات أدوات متداخلة في صراع النفوذ على القارة السمراء.
