تكشف المعطيات الأمنية الخاصة بعام 2025 والنصف الأول من عام 2026 عن تحول نوعي في نشاط الجماعات الإرهابية في أفريقيا، حيث لم تعد هذه التنظيمات تعتمد فقط على الهجمات التقليدية، بل أصبحت تدير شبكات اقتصادية ومالية معقدة، وتسيطر على مساحات جغرافية واسعة، وتفرض أنظمة جباية وإدارة محلية في بعض المناطق.
ويتركز النشاط الإرهابي بشكل رئيسي في أربعة مسارح عمليات رئيسية هي: منطقة الساحل، الصومال، حوض بحيرة تشاد، وشمال موزمبيق.
أولاً: الساحل الأفريقي.. مركز الثقل الجديد للإرهاب العالمي
تشير البيانات المتاحة إلى أن منطقة الساحل أصبحت البؤرة الأكثر دموية للإرهاب في أفريقيا، حيث تنشط بشكل رئيسي جماعتان مسلحتان:-
أ- جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) المرتبطة بتنظيم القاعدة.-
ب- تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى (EIGS).
وتظهر المؤشرات الميدانية أن الانقلابات العسكرية التي شهدتها مالي وبوركينا فاسو والنيجر لم تنجح حتى الآن في الحد من التهديد الإرهابي، بل تزامنت مع توسع نفوذ الجماعات المسلحة وانتشارها في مناطق جديدة.
مؤشرات مقلقة:-
– سيطرة الجماعات المسلحة على محاور نقل استراتيجية.
– استهداف متكرر لقوافل الوقود والإمدادات.
– توسع النشاط نحو الدول الساحلية مثل بنين وتوغو.
– زيادة الهجمات المنسقة ضد المدن والمراكز الإدارية.
ويرى مراقبون أن استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى تآكل سلطة الدولة في المناطق الريفية وتحول بعض الأقاليم إلى مناطق نفوذ خارجة عن السيطرة الحكومية.
ثانياً: تطور تكتيكات الجماعات المسلحة
رصدت الأجهزة الأمنية والعسكرية خلال السنوات الأخيرة تطوراً واضحاً في أساليب عمل التنظيمات الإرهابية، ومن أبرزها:
1- استخدام الطائرات المسيّرة
بدأت الجماعات المسلحة في استخدام الطائرات بدون طيار لأغراض:
– الاستطلاع وجمع المعلومات.
– مراقبة تحركات القوات الحكومية.
– توجيه الهجمات والكمائن.
– تنفيذ ضربات محدودة في بعض المناطق.
2- الاستعانة بخبراء قتال أجانب
تشير تقارير أمنية إلى وجود عناصر تمتلك خبرات قتالية اكتسبتها في العراق وسوريا، وتقوم بتدريب المقاتلين المحليين وتطوير القدرات التكتيكية للتنظيمات.
3- اللامركزية العملياتية
أصبحت الخلايا الميدانية تمتلك قدرة أكبر على اتخاذ القرار وتنفيذ العمليات دون الرجوع المستمر إلى القيادة المركزية، ما يزيد من صعوبة مكافحتها.
ثالثاً: الصومال.. معركة استنزاف طويلة
لا تزال حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة تمثل أخطر تهديد أمني في القرن الأفريقي.
وتشير التقديرات إلى امتلاك الحركة آلاف المقاتلين المنتشرين في وسط وجنوب الصومال، مع قدرة عالية على تنفيذ:
– التفجيرات الانتحارية.
– الاغتيالات.
– الهجمات على القواعد العسكرية.
– فرض الإتاوات على السكان والشركات.
كما يواصل فرع تنظيم داعش في الصومال توسيع نشاطه المالي والإداري، خاصة في مناطق بونتلاند.
رابعاً: حوض بحيرة تشاد
رغم تراجع قوة بوكو حرام مقارنة بذروة نشاطها قبل عقد من الزمن، فإن التنظيم لا يزال قادراً على تنفيذ عمليات دموية في:
– شمال شرق نيجيريا.
– جنوب شرق النيجر.
– منطقة بحيرة تشاد.
– شمال الكاميرون.
كما يواصل تنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا (ISWAP) تعزيز حضوره في المنطقة مستفيداً من شبكات التهريب والتجنيد المحلي.
خامساً: موزمبيق.. تهديد مستمر رغم التراجع
في إقليم كابو ديلغادو شمال موزمبيق، تمكنت القوات الرواندية وقوات مجموعة التنمية لأفريقيا الجنوبية من تقليص نفوذ الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيم داعش.
إلا أن التهديد لم ينتهِ بشكل كامل، إذ ما زالت الخلايا المسلحة قادرة على:
– شن هجمات مباغتة.
– استهداف القرى النائية.
– استغلال المظالم الاجتماعية والاقتصادية لتجنيد عناصر جديدة.
اقتصاد الإرهاب
أحد أبرز التطورات الأمنية يتمثل في تحول التنظيمات المسلحة إلى كيانات اقتصادية تعتمد على مصادر تمويل متنوعة.
أبرز مصادر التمويل
– التعدين الأهلي للذهب.
– تهريب الوقود.
– الاتجار بالمواشي.
– فرض الضرائب والإتاوات.
– الاختطاف مقابل الفدية.
– التهريب العابر للحدود.
– العملات المشفرة.
– غسل الأموال.
وتشير التقديرات إلى أن بعض التنظيمات تحقق عشرات أو حتى مئات ملايين الدولارات سنوياً من هذه الأنشطة.
التداعيات الإنسانية
أدت الهجمات الإرهابية خلال السنوات الأخيرة إلى:
– أكثر من 150 ألف قتيل في أفريقيا خلال عقد واحد.
– نزوح ملايين المدنيين.
– انهيار الخدمات الأساسية في مناطق واسعة.
– تعطيل الأنشطة الاقتصادية والزراعية.
– تفاقم الأزمات الغذائية والإنسانية.
وتعد بوركينا فاسو ومالي والنيجر ونيجيريا من أكثر الدول تضرراً من موجات النزوح المرتبطة بالعنف المسلح.
خلاصة التحقيق
تشير المعطيات الأمنية إلى أن التهديد الإرهابي في أفريقيا لم يعد مجرد تمردات محلية معزولة، بل أصبح شبكة إقليمية مترابطة تمتلك مصادر تمويل مستقلة وقدرات عسكرية متطورة وامتدادات عابرة للحدود.
وتبقى منطقة الساحل بؤرة الخطر الرئيسية، في ظل استمرار هشاشة المؤسسات الأمنية، واتساع الفراغات الجغرافية، وتنامي الاقتصاد غير المشروع الذي يوفر للجماعات المسلحة الموارد اللازمة للاستمرار والتوسع.
ومن دون معالجة الأسباب الأمنية والاقتصادية والاجتماعية في آن واحد، يُرجّح أن تواصل هذه التنظيمات تعزيز نفوذها وتهديد استقرار عدد متزايد من الدول الأفريقية خلال السنوات المقبلة.
نقلاً عن صحيفة براون لاند السودانية
