نقلاً عن صحيفة براون لاند السودانية
بعد سنوات من التوقيع على اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA)، يبدو أن عام 2026 يمثل نقطة تحول حقيقية في مسار المشروع، مع انتقال التركيز من المفاوضات والأطر القانونية إلى التنفيذ العملي، وبناء القدرات، وتهيئة الشركات والأسواق للاستفادة من أكبر سوق موحدة في العالم من حيث عدد الدول المشاركة.
يرصد هذا التقرير آخرَ التطورات الميدانية للاتفاقية، ويحلل أبعادها الاقتصادية والسياسية، مع تسليط الضوء على ما يعنيه مسار التكامل القاري لدولة مثل السودان التي تخرج من حرب مدمرة.
أولاً: ماذا حدث في يونيو 2026؟
مبادرات التدريب وبناء القدرات
استضافت القاهرة خلال الفترة من 16 إلى 18 يونيو 2026 النسخة الثالثة من برنامج التدريب المتخصص حول اتفاقية التجارة الحرة القارية، بتنظيم من البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد (Afreximbank) بالتعاون مع الأمانة العامة للاتفاقية والجامعة الأمريكية بالقاهرة. وقد استهدف البرنامج تمكين الشركات الإفريقية من فهم آليات الاتفاقية عمليًا.
وفي السياق ذاته، أعلن البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد في 24 يونيو 2026 إطلاق التقرير التجاري الإفريقي السنوي لعام 2026 بعنوان “الاستفادة من الجيوسياسة للتجارة والتصنيع في إفريقيا العالمية”، مشيرًا إلى أن النمو الاقتصادي الإفريقي الحقيقي قد ارتفع من 3.4% في 2024 إلى 4.5% في 2025، متجاوزًا معدل النمو العالمي البالغ 3.4%
منتدى التجارة الحرة القارية في مراكش
في مطلع عام 2026، أشارت تقارير معهد دراسات الأمن (ISS Africa Futures) إلى أن منتدى أعمال اتفاقية التجارة الحرة القارية المنعقد في مراكش جسّد التحول من مرحلة الاتفاقيات إلى مرحلة التنفيذ، مع تجديد التركيز على إزالة الحواجز التجارية البينية، وتحديث الجمارك، والتجارة الرقمية.
مؤشرات التجارة البينية في 2026
وفق توقعات أفريكسيمبنك (مارس 2026)، تشير البيانات إلى أن التجارة البينية الإفريقية سجّلت نموًا بنحو 5.5% في 2025، وقد تصل إلى 230 مليار دولار في 2026، أي بنمو سنوي يبلغ 10%، مقارنةً بـ210 مليارات دولار في 2025. ويُتوقع أن تمثل التجارة البينية 16% من إجمالي التجارة الإفريقية في 2026
على المستوى العملي، ارتفع حجم تجارة نيجيريا مع بقية الدول الإفريقية من 7.47 مليار دولار في 2024 إلى 9.02 مليار دولار في 2025، بنمو يقارب 21%، مدفوعًا بإطار الاتفاقية وتحسين البنية اللوجستية، بما فيها ممر شحن جوي مخصص يربط نيجيريا بشرق إفريقيا وجنوبها .
تحديات البنية التحتية
حذّر تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي الصادر في يونيو 2026 من أن ضعف الاستثمار في البنية التحتية للنقل يُعدّ من أبرز العوامل التي تُقيّد التنفيذ الكامل للاتفاقية، مشيرًا إلى أن منظمة OECD تقدّر احتياجات القارة بـ2.48 تريليون دولار حتى عام 2040 لرفع مستوى البنية التحتية إلى معايير الدول المناظرة. كما يُعدّ الطريق القاهرة – كيب تاون (TAH-4) من أبرز المشاريع القارية الكبرى، وإن كانت التحديات تتمركز في تطوير قطاعات بعينها وتوحيد إجراءات الحدود لا في إنشاء الطريق من الصفر.
ثانيًا : لماذا تُعدّ AfCFTA أكبر مشروع اقتصادي في تاريخ إفريقيا؟
تجمع منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية 54 دولة عضوًا ،لم توقّع عليها إريتريا وحدها ، وتضم سوقًا يتجاوز 1.4 مليار نسمة، بناتج محلي إجمالي مشترك يبلغ نحو 3.4 تريليون دولار. وتهدف الاتفاقية إلى الإلغاء التدريجي للرسوم الجمركية على 90% من السلع، مع تقليص الحواجز غير الجمركية، وتحرير قطاع الخدمات والاستثمارات.
حجم الفرصة: أرقام الأثر المتوقع
تقدّر تقارير البنك الدولي 2020 و2022أن التنفيذ الكامل للاتفاقية قد يرفع دخل القارة بنسبة 7% إلى 9% ما بين 450 و571 مليار دولار بحلول 2035
التوقعات تشير إلى خروج ما بين 30 و50 مليون شخص من براثن الفقر المدقع بحلول 2035.
إمكانية خلق ما يصل إلى 18 مليون فرصة عمل جديدة بحلول 2035.
إمكانية رفع الصادرات البينية الإفريقية بنسبة تصل إلى 81% بحلول 2035.
تقدير معهد دراسات الأمن (ISS) بأن التطبيق الكامل قد يجعل الاقتصاد الإفريقي أكبر بنحو 650 مليار دولار بحلول 2043.
وقد وصف تقرير البنك الدولي أبريل 2026الاتفاقيةَ بأنها قادرة على رفع دخل القارة 7-9%، لكنه نبّه إلى أن التقدم سيكون تدريجيًا، وأن المكاسب الكبرى مرهونة بتحسين التكاليف التجارية الداخلية أكثر من مجرد تخفيض التعريفات الجمركية.
ما يميّز هذا المشروع
التجارة البينية الإفريقية لا تزال هشّة: قبل الاتفاقية، كانت تمثل 15-16% من إجمالي التجارة الإفريقية، مقارنةً بـ59% في آسيا و68% في أوروبا. وعليه، فإن هامش التحسين الممكن ضخم بالمعايير القياسية لأي تكتل قاري. والاتفاقية تعالج بنيويًا أسباب هذا الضعف: تعدد العملات، والتكاليف اللوجستية المرتفعة التي كانت تضاهي ضعف المتوسط العالمي، وتشعب معايير الجودة، وإجراءات الجمارك الطويلة.
ثالثًا: من الأكثر استعدادًا للاستفادة، ومن قد يتأخر؟
الدول الأكثر استعدادًا
تُصنَّف عدة دول في مقدمة المستفيدين المرتقبين من الاتفاقية استنادًا إلى مؤشرات القدرة التنافسية والتنويع الاقتصادي والاندماج المبكر:
جنوب إفريقيا: تقود حصة التجارة البينية في منطقة SADC بنسبة 35%، ولديها بنية تحتية مالية وصناعية متقدمة. تتوقع دراسة ISS أن تزيد صادراتها 43% بحلول 2043.
المغرب: شهدت تقارير متعددة تنامي تنويع صادراته، ومشاركة فاعلة في مبادرات التجارة الموجهة. يُتوقع أن ترتفع قيمة صادراته بشكل ملحوظ بحلول 2035.
مصر: من أكبر خمسة مستوردين في السيناريوهات المستقبلية وفق ISS، مع قدرات صناعية وزراعية متنوعة، وموقع جغرافي استراتيجي.
كينيا: الأعلى قدرةً من حيث الابتكار في منطقة شرق وجنوب إفريقيا، وشاركت في مبادرة التجارة الموجهة (GTI). تتوقع دراسة ISS ارتفاع وارداتها 26.9% بحلول 2043.
نيجيريا: الاقتصاد الأكبر في القارة، سجّلت أعلى معدل نمو في حجم الصادرات القارية المتوقعة (49% بحلول 2043)، مع نمو فعلي بلغ 21% في 2025.
رواندا وغانا: أجرتا أولى الصادرات الفعلية تحت مظلة الاتفاقية (قهوة، وبطاريات) وتُعدّان نماذج تشغيلية مبكرة للمبادرة.
من قد يتأخر؟
تُظهر الأبحاث تفاوتًا واضحًا في القدرة على الاستفادة من الاتفاقية. تشير دراسات منظمة العمل الدولية ITUC-Africa إلى أن منطقة وسط إفريقيا تستحوذ على 6% فقط من التجارة البينية الإفريقية بسبب ثغرات البنية التحتية وضعف المؤسسات. كما تواجه دول مثل الصومال وليبيا وبنين والسودان عقبات مختلفة.
إريتريا: الدولة الوحيدة التي لم توقّع على الاتفاقية أصلًا، وتبقى خارج المنظومة.
السودان وليبيا وجنوب السودان وبنين: لم تصادق بعد على الاتفاقية حتى فبراير 2026 وفق مركز tralac للقانون التجاري.
دول “المجموعة السداسية” (G6)إثيوبيا ومدغشقر ومالاوي والسودان وزامبيا وزيمبابوي تفاوضت على جداول زمنية أطول لتخفيض التعريفات (15 عامًا بدلًا من الجداول المعيارية)، مما يُشير إلى هشاشتها الاقتصادية في مواجهة المنافسة الفورية.
رابعًا: ماذا يعني ذلك للسودان بعد الحرب؟ تحليل حاص لبراون لاند
يمثل السودان حالة مركبة لا نظير لها في سياق الاتفاقية: دولة موقّعة على الاتفاقية لكنها لم تصادق عليها بعد، وخاضت حربًا مدمرة منذ أبريل 2023 أودت باقتصادها، لكنها تمتلك في الوقت ذاته إمكانات زراعية هائلة تجعلها مرشحة نظرية للاندماج التجاري القاري.
حجم الكارثة الاقتصادية
تُصوّر الأرقام المتاحة حجم التدمير الاقتصادي الهائل الذي خلّفته الحرب:
تقلّص الناتج المحلي الإجمالي بنحو 29.4% في 2023، و13.5% إضافية في 2024 وفق تقرير البنك الدوليمايو 2025
تقديرات إجمالية تشير إلى انكماش تراكمي بين 40-50% من 2023 إلى2025
توقف أكثر من 80% من القطاع الصناعي والتصنيعي بشكل كامل.
معدل البطالة يتجاوز 60% وفق تقارير منتصف عام 2026.
الجنيه السوداني انهار ليصل إلى ما يزيد على 4,000 جنيه للدولار.
أضرار البنية التحتية تتراوح بين 50 و100 مليار دولار في التقديرات الأولية.
عائدات الحكومة تراجعت من 10% من الناتج المحلي في 2022 إلى أقل من 5% في 2024
بصيص التعافي
رغم قتامة المشهد، تشير توقعات البنك الإفريقي للتنمية إلى أن نمو الناتج المحلي الإجمالي قد يصل إلى 2.1% في 2026 و3.2% في 2027 مدفوعًا بالإنفاق المرتبط بإعادة الإعمار وتحسن الإنتاج الزراعي، غير أن هذا السيناريو مشروط بتحقيق الاستقرار السياسي، وهو ما لا تكفله التطورات الراهنة.
في أبريل 2026، أصدر وزير المالية جبريل إبراهيم توجيهات عاجلة لمعالجة الاختناقات في الصادرات والواردات، في محاولة لإعادة تشغيل آليات التجارة الخارجية المجمّدة. وأشارت قيادات القطاع الخاص إلى الاستعداد لقيادة عملية إعادة الإعمار، لا سيما في قطاعي الغذاء والنسيج.
السودان و AfCFTA وضع استثنائي
يكشف الفحص القانوني لوضع السودان من الاتفاقية عن معضلة مركّبة:
السودان وقّع على الاتفاقية لكنه لم يصادق عليها حتى فبراير 2026، مما يجعله خارج دائرة الدول الأطراف الفعلية.
لم يقدّم السودان جداوله الجمركية (Tariff Schedules) للأمانة العامة، وهو شرط لازم للانخراط الفعلي في المنظومة.
السودان مدرج في “المجموعة السداسية” (G6) وهو ما يعني صراحةً أن المفاوضين أقرّوا بأن البلاد تحتاج معاملة تفضيلية ووقتًا أطول.
الإمكانات الكامنة: السودان في سياق القاري
يمتلك السودان مزايا نسبية أقرّت بها أطراف دولية، لو أُحسن توظيفها في إطار التكامل القاري:
الزراعة: يمتلك السودان 40% من الأراضي الزراعية الصالحة للري في إفريقيا، مع قدرة تصديرية كامنة في القمح والسمسم والصمغ العربي وبذور الزيت. وتُشير استراتيجية IGAD الوطنية للسودان (2022) إلى هدفين: توسيع الصادرات الزراعية داخل منطقة IGAD/COMESA، والتوجه نحو منتجات عالية القيمة لبقية التكتلات.
الموقع الجغرافي: يشترك السودان في حدود مع 7 دول (مصر وليبيا وتشاد وإفريقيا الوسطى وجنوب السودان وإثيوبيا وإريتريا)، مما يجعله معبرًا طبيعيًا للتجارة بين شمال وشرق وغرب القارة.
إعادة الإعمار كرافعة: تستقبل الخرطوم مهمة UNIDO الاستثمارية المرتقبة في سبتمبر 2026، وهي خطوة تعكس اهتمامًا دوليًا بتحويل مرحلة الإعمار إلى فرصة للتصنيع وإعادة بناء سلاسل القيمة المحلية.
بيد أن هذه الإمكانات مشروطة بالمآل السياسي للحرب. يُقدّر المحللون أن الاقتصاد السوداني لن يستعيد حجمه ما قبل الحرب إلا في 2031 على أقل تقدير. وهذا يعني أن أي استراتيجية جادة للانخراط في اتفاقية التجارة الحرة ستكون عملية تراكمية تبدأ بعد تحقيق الاستقرار السياسي، وستستلزم مصادقة رسمية على الاتفاقية، وتقديم جداول جمركية، وإعادة بناء القدرات المؤسسية والإنتاجية التي أتت عليها الحرب.
خامسًا: هل تستطيع الاتفاقية تغيير مكانة إفريقيا في الاقتصاد العالمي؟
التحولات الهيكلية المطلوبة
حتى يتحول الإطار القانوني إلى واقع اقتصادي، تحدد تقارير متخصصة خمسة محاور هيكلية لا غنى عنها:
إجراءات جمركية موحدة: يُشير تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي (2026) إلى أن التكاليف الحقيقية تتراكم عند الحدود وعلى طول الممرات، لا في التعريفات وحدها. والأولوية: التكامل الجمركي والاعتراف المتبادل بالمعايير وآليات رفع الحواجز غير الجمركية.
البنية التحتية العابرة للحدود: تحتاج القارة إلى ما يصل إلى 2.48 تريليون دولار بحلول 2040 للوصول إلى معايير البنية التحتية للدول المناظرة.
نظام الدفع القاري (PAPSS) دخل حيز التنفيذ الفعلي، ومن شأنه تقليل تكاليف الصرف الأجنبي بنسبة 20-30%، وهو ما يُحدث فرقًا جوهريًا للشركات الصغيرة والمتوسطة.
التجارة الرقمية والمشاريع الصغيرة: اعتمدت الاتفاقية بروتوكول التجارة الرقمية في 2024، وهو يُهيئ البيئة التنظيمية للتجارة الإلكترونية العابرة للحدود. ودعم برنامج UNDP لأكثر من 12,000 مشروع صغير ومتوسط في 30 دولة من 2022 إلى 2024 يمثّل نموذجًا للتطبيق الميداني.
بناء القدرات التقنية للقطاع الخاص: يؤكد الأفريكسيمبنك أن ضعف المعرفة التقنية لدى القطاع الخاص لا يزال أحد أبرز العوائق، وهو ما يفسر التوسع في برامج التدريب الميداني.
سيناريوهات المستقبل
يمكن رسم ثلاثة مسارات محتملة:
السيناريو الأمثل: تنفيذ عميق وشامل للاتفاقية يشمل تحرير الاستثمار والتنافسية والتجارة الرقمية والملكية الفكرية. ووفق البنك الدولي، سيرفع ذلك دخل القارة 9% (571 مليار دولار)، ويخلق 18 مليون وظيفة، ويُخرج 50 مليون شخص من الفقر بحلول 2035.
السيناريو المتوسط: تنفيذ جزئي تدريجي يشمل تخفيض التعريفات مع تفاوت في الحواجز غير الجمركية، ينتج عنه فوائد ملموسة لكنها دون الإمكانات الكاملة. وهو السيناريو الأرجح عملياً في الأفق الزمني المتوسط.
سيناريو الجمود: استمرار الفجوة بين الالتزامات القانونية والواقع التشغيلي بسبب ضعف التمويل، والصراعات السياسية، والتفاوت في الاستعداد بين الدول. يُبقي هذا السيناريو إفريقيا رهينة التقلبات الخارجية وسلاسل القيمة العالمية المهيمنة.
إفريقيا والجيوسياسة العالمية
يأتي التركيز على التكامل القاري في لحظة إستراتيجية: مع إعادة تشكّل الاقتصاد العالمي، وتصاعد حدة الحرب التجارية الأمريكية-الصينية، وتراجع الثقة في سلاسل القيمة العالمية. تُمثل الاتفاقية في هذا السياق، وفق معهد ISS، ليست أيديولوجية تكاملية فحسب، بل “استراتيجية طويلة الأمد لإدارة المخاطر”. القارة التي لا تبني أسواقها الداخلية ستظل عُرضة لكل صدمة خارجية.
منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية ليست مجرد اتفاقية تجارية؛ إنها مشروع إعادة هيكلة للاقتصاد السياسي الإفريقي. التحديات قائمة: التفاوت الهائل في مستويات التنمية، وضعف البنية التحتية، وبطء إجراءات التصديق، والصراعات المندلعة في مناطق بأكملها. لكن المؤشرات التشغيلية لعام 2026 تُعطي – لأول مرة – دلائل على أن المسافة بين الاتفاقية والسوق الفعلية آخذة في التقلص.
أما السودان، فيقف على مفترق طريق مفاجئ: الخروج من الحرب في عالم يُعيد ترتيب سلاسل قيمته القارية. الفرصة موجودة، لكنها لن تنتظر.
