تشهد مالي وبوركينا فاسو موجة تصعيد أمني واسعة، في ظل سلسلة من الهجمات المتزامنة التي استهدفت مواقع عسكرية ومدنًا استراتيجية خلال الساعات الأخيرة، في مؤشر على تحول لافت في وتيرة العمليات التي تنفذها الجماعات المسلحة في منطقة الساحل.
في مالي، توزعت الهجمات على عدة محاور شملت أنيفيس وغاو وليري وكواكورو، إلى جانب هجوم استهدف سجن كينييروبا جنوب شرق باماكو. كما أعلنت جبهة تحرير أزواد (FLA) إطلاق هجوم للسيطرة على مدينة أنيفيس، بينما تبنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) عددًا من العمليات ضد القوات المسلحة المالية وعناصر فيلق أفريقيا الروسي، في وقت أفادت فيه تقارير ميدانية بسماع انفجارات وإطلاق نار كثيف في مدينة غاو.
أما في بوركينا فاسو، فقد تعرضت بلدات ثيو وسيغينيغا وتوغوري لهجمات متفرقة نُسبت إلى جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وسط تقارير عن سقوط ضحايا وأضرار مادية، في حين لم تصدر السلطات البوركينية حتى الآن حصيلة رسمية للخسائر.
وتشير القراءة الأولية للتطورات الميدانية إلى أن الجماعات المسلحة انتقلت من نمط الهجمات المحدودة إلى تنفيذ عمليات متزامنة على عدة محاور، وهو ما يعكس مستوى أعلى من التخطيط والقدرة على إدارة العمليات في أكثر من مسرح قتالي في الوقت نفسه.
ويمكن قراءة هذا التصعيد من خلال عدة مؤشرات رئيسية:
1. اعتماد تكتيك فتح جبهات متعددة في توقيت متقارب، بهدف تشتيت قدرات الجيوش وإجبارها على توزيع قواتها على مساحات واسعة، بما يقلل من سرعة الاستجابة ويزيد الضغط على مراكز القيادة والإمداد.
2. اتساع نطاق العمليات في مالي من الشمال إلى الوسط، وصولًا إلى محيط العاصمة باماكو عبر استهداف سجن كينييروبا، وهو ما يعكس قدرة الجماعات المسلحة على التحرك عبر مسارح عمليات متباعدة.
3. تركيز واضح على المدن والمحاور ذات الأهمية العسكرية واللوجستية، بما يشير إلى أن الهدف لا يقتصر على إيقاع خسائر بشرية، بل يشمل تعطيل حركة التعزيزات وإرباك منظومة الإمداد العسكري.
4. استمرار استهداف المواقع التي ينتشر فيها فيلق أفريقيا الروسي، في محاولة لإظهار أن وجود القوات الداعمة للجيش المالي لم يمنع الجماعات المسلحة من تنفيذ عمليات واسعة النطاق، وهو ما يمنحها بعدًا إعلاميًا إلى جانب أهدافها العسكرية.
5. في بوركينا فاسو، تؤكد الهجمات على ثيو وسيغينيغا وتوغوري استمرار سعي الجماعة إلى الحفاظ على حرية الحركة في المناطق الحدودية مع مالي، بما يسمح بتأمين خطوط الإمداد والمناورة بين مسارح العمليات في البلدين.
6. ورغم تزامن هجمات جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين في بعض المناطق، فإن المعطيات المتوفرة حتى الآن لا تؤكد وجود تنسيق عملياتي مباشر بين الطرفين، ما يجعل الحديث عن تحالف ميداني سابقًا لأوانه، رغم أن تزامن العمليات يزيد الضغوط على القوات المسلحة المالية.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن الجماعات المسلحة تمكنت، في هذه المرحلة، من فرض إيقاع العمليات وإجبار القوات الحكومية على التعامل مع عدة تهديدات متزامنة، إلا أن تقييم النتائج النهائية سيظل مرتبطًا بقدرة الجيوش على احتواء الهجمات واستعادة زمام المبادرة، إضافة إلى ما ستكشفه البيانات الرسمية خلال الساعات المقبلة.
تجدر الإشارة إلى أن هذا التقييم يستند إلى المعطيات الميدانية المتوفرة حتى لحظة إعداد التقرير، وقد تطرأ مستجدات أو بيانات رسمية لاحقة قد تؤثر على تقدير الموقف العسكري.
تقرير وتحليل: حسن يوسف زرما – مراسل براون لاند
