دخلت الأزمة الأمنية التي شهدتها العاصمة النيجرية نيامي فجر السبت مرحلة جديدة، مع تداول معلومات عن بدء اتصالات ومفاوضات بين عناصر عسكرية متمردة والقوات الحكومية، في محاولة لاحتواء التوتر ومنع انزلاقه إلى مواجهة أوسع داخل المؤسسة العسكرية.
وكانت العاصمة قد شهدت، خلال ساعات الليل، إطلاق نار كثيفاً وانفجارات في عدة مناطق، خصوصاً في محيط مطار ديوري هاماني الدولي والمنطقة الإدارية في بلاتو، حيث توجد مؤسسات حكومية ومواقع سيادية، بينها محيط القصر الرئاسي. وأكدت تقارير دولية أن قوات الأمن انتشرت في المناطق المتضررة وتمكنت من استعادة السيطرة على المواقع المستهدفة، فيما أغلقت طرق رئيسية مؤدية إلى العاصمة.
وبحسب معلومات متداولة لم يتسنَّ التحقق منها بشكل مستقل حتى الآن، فإن العناصر المشاركة في التمرد تنحدر بصورة رئيسية من مناطق تيلابيري وتيرا ودوسو، وهي مناطق ذات أهمية استراتيجية بالنسبة للمنظومة الأمنية والعسكرية في النيجر، نظراً لقربها من بؤر النشاط المسلح في غرب البلاد.
وتكتسب هذه المعلومة أهمية خاصة بسبب الموقع الجغرافي للمناطق المذكورة، التي تقع ضمن نطاق أمني معقد تتداخل فيه عمليات القوات الحكومية مع نشاط جماعات مسلحة، من بينها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) وتنظيم الدولة الإسلامية في الساحل (ISSP).
مخاوف من استغلال الفراغ الأمني
ويثير أي انقسام داخل الوحدات العسكرية المنتشرة في المناطق الغربية مخاوف من تداعيات تتجاوز حدود الأزمة السياسية والعسكرية في نيامي.
ففي حال استمرت المواجهة أو توسعت، قد تضطر القيادة العسكرية إلى إعادة توزيع وحدات من مناطق تيلابيري وتيرا ودوسو باتجاه العاصمة، وهو ما قد يترك ثغرات أمنية في مناطق تواجه أصلاً تهديدات مسلحة متواصلة.
وقد تستغل الجماعات الجهادية مثل هذه الثغرات لزيادة تحركاتها أو تنفيذ هجمات على مواقع عسكرية وطرق استراتيجية، خصوصاً إذا طال أمد الأزمة أو انخفض مستوى التنسيق بين الوحدات الحكومية.
المطار والقصر الرئاسي.. مؤشرات على خطورة التحرك
ويعكس اختيار مطار ديوري هاماني ومحيط المؤسسات السيادية في العاصمة طبيعة حساسة للتحرك العسكري.
فالمطار ليس منشأة مدنية فقط، بل يضم منشآت عسكرية ذات أهمية استراتيجية، وقد سبق أن تعرض لهجمات مسلحة خلال العام الجاري. وفي يناير 2026، أعلن تنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليته عن هجوم استهدف المطار وقاعدة عسكرية مجاورة، بينما شهد المطار في يونيو هجوماً آخر أدى إلى سقوط قتلى في صفوف القوات والأمن.
لكن التطورات الحالية تختلف من حيث طبيعتها، إذ تشير التقارير المتاحة إلى أن السلطات تتعامل معها باعتبارها تمرداً عسكرياً داخلياً، وليس مجرد هجوم جهادي على العاصمة. ومع ذلك، لا تزال ملابسات التحرك والجهة التي تقف وراءه بحاجة إلى توضيح رسمي كامل.
المفاوضات قد تكون مفتاح احتواء الأزمة
وتبرز في هذه المرحلة أهمية الاتصالات بين القيادات العسكرية لمنع تحول التمرد المحدود إلى صدام واسع داخل القوات المسلحة.
وفي حال تأكد بدء المفاوضات، فإن نجاحها قد يسمح بتسوية الأزمة من خلال استسلام العناصر المتمردة أو انسحابها وتسليم أسلحتها، وهو السيناريو الأقل كلفة بالنسبة للسلطات، مقارنة بخيار الحسم العسكري داخل العاصمة.
أما فشل المفاوضات، فقد يفتح الباب أمام جولة جديدة من المواجهات، خصوصاً إذا تمكنت الوحدات المتمردة من استقطاب عناصر أخرى داخل المؤسسة العسكرية.
اختبار جديد للمجلس العسكري
تأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه القيادة العسكرية النيجرية تحديات أمنية متزامنة على عدة جبهات، أبرزها الحدود الغربية والجنوبية الشرقية، إضافة إلى استمرار نشاط الجماعات المسلحة في منطقة الساحل.
ومن ثم، فإن الأزمة الحالية لا تمثل مجرد اختبار للسيطرة على العاصمة، بل تمثل اختباراً لمدى تماسك المؤسسة العسكرية نفسها.
وفي حال بقي التمرد محصوراً في مجموعة محدودة وتمت تسويته سريعاً، فمن المرجح أن تتمكن السلطات من احتوائه سياسياً وأمنياً. أما إذا امتد إلى وحدات أخرى أو ظهرت انقسامات داخل القيادات العسكرية، فإن الأزمة قد تتحول إلى تهديد مباشر لاستقرار النظام القائم منذ انقلاب يوليو 2023.
وفي ظل غياب بيان رسمي مفصل حتى الآن يوضح هوية المتمردين ومطالبهم ومسار المفاوضات، تبقى المعلومات المتعلقة بمناطق انحدار الوحدات المشاركة وبطبيعة المفاوضات قيد التحقق، بينما تؤكد المعطيات المتاحة وقوع اشتباكات خطيرة في العاصمة وقيام القوات الحكومية بالانتشار واستعادة السيطرة على المواقع المستهدفة.
