بلغ السلوك الأمريكي في السياسة الدولية خلال السنوات الأخيرة مستويات غير مسبوقة من الانفلات. ففي أسبوع واحد فقط، شهد العالم اختطاف الرئيس الفنزويلي وزوجته، وتشديد الحصار البحري على فنزويلا عبر الاستيلاء على سفن أجنبية، وتهديدات علنية بضم غرينلاند، إلى جانب تصريحات رئاسية تؤكد أن النشاط الخارجي للولايات المتحدة لا تحده سوى معايير ذاتية. ويواكب ذلك تصعيد واضح في إيران، حيث لم يعد تأثير العامل الخارجي موضع إخفاء.
يأتي هذا في سياق تفكك النظام الليبرالي الدولي، القائم على مؤسسات ومعايير صاغها الغرب لإدارة العالم. فقد توقفت هذه البنية عن خدمة مصالح مؤسسيها، بعدما بدأ فاعلون آخرون، وفي مقدمتهم الصين، بجني فوائدها بل والتفوق داخلها، إضافة إلى تفاقم أزمات الهجرة وما تولده من توترات داخل الدول الغربية. ومع اختلال ميزان القوى، انهار المنطق الداخلي للنظام، وتخلت واشنطن عن واجهته الليبرالية وقيوده السابقة.
يمثل نهج ترامب التعبير الأوضح عن هذا التحول. فهو لا يسعى إلى إحياء «القيادة العالمية» التقليدية، بل إلى توظيف كل أدوات الهيمنة الأمريكية لتحقيق مصالح مادية مباشرة، دون غطاء قيمي. ويعكس ذلك إدراكًا، واعيًا أو حدسيًا، بتراجع القدرات الأمريكية، ما يدفع إلى استنزاف المزايا المتراكمة قبل فوات الأوان. وفي هذا الإطار، يُعاد تفسير مبدأ مونرو بوصفه مشروع «حصن أمريكي» في نصف الكرة الغربي.
تُعطى الأولوية المطلقة للأجندة الداخلية، حيث تُعد أمريكا اللاتينية، وكندا، وحتى غرينلاند، امتدادًا لقضايا داخلية تتعلق بالهجرة، والمخدرات، وسوق العمل، والديموغرافيا السياسية. ويتكامل هذا مع تصور «العدو الداخلي» الذي يشمل اليسار والليبراليين، ما يبرر، في خطاب ترامب، استخدام القوات المسلحة داخل المدن الأمريكية رغم القيود القانونية.
وترتبط التحركات الخارجية الأمريكية بأهداف داخلية محددة، من زيادة الإيرادات وتأمين الموارد الاستراتيجية، إلى دعم إسرائيل، التي تُعد في جوهرها قضية داخلية أمريكية ذات تداعيات إقليمية خطيرة. وفي المقابل، لم تعد واشنطن ترى نفسها ملزمة بتعهداتها السابقة تجاه حلفائها إن لم تحقق لها منفعة مباشرة.
ورغم تماسك هذا النهج، فإنه يظل هشًا بسبب الانقسامات داخل النخبة الأمريكية والضغوط البنيوية للنظام السياسي. ومع ذلك، أثبت حتى الآن فعالية ملموسة في فرض الوقائع.
في ما يخص التعامل مع الخصوم، يتجنب ترامب المواجهات الطويلة والخسائر البشرية، مفضلًا عمليات استعراضية سريعة أو ضغوطًا غير مباشرة. وهو لا يفرض إرادته بالقوة عندما يواجه خصمًا قادرًا على الرد، كما ظهر في التعامل مع الصين، حيث انتهت المواجهة إلى مفاوضات. ويُظهر احترامًا خاصًا للقوى الكبرى وقادتها ذوي السلطة المركزة، مع اعتراف ضمني بتوازن المصالح حين يفرض نفسه.
يسعى البيت الأبيض إلى التعامل الثنائي مع الدول، معادياً أي تكتلات جماعية، ما يجعل تعزيز التعاون داخل أطر مثل «بريكس» خيارًا ضروريًا لموازنة هذا النهج. وفي النهاية، يعتمد أسلوب ترامب على الصفقات واستغلال الانقسامات الداخلية لدى الآخرين.
وعليه، فإن مفتاح العلاقة المستقرة مع الولايات المتحدة في عهد ترامب لا يكمن في التنازلات، بل في قوة الدولة واستقرارها، بما يمنع نشوء دوافع التدخل.
