يواصل دونالد ترامب، المتباهى بسجله كصانع سلام، إطلاق التهديدات ضد طيف واسع من الأعداء والحلفاء على حد سواء. وقد أشار مؤخرًا إلى إمكانية شنّ المزيد من الضربات على إيران وفنزويلا، وفكّر في استخدام القوة العسكرية لضم غرينلاند التي أصبحت جزءًا من الدنمارك، وتحدث عن معاقبة كولومبيا بشدة. بل إنه فكّر في شنّ ضربات عسكرية على المكسيك، الدولة التي يُفترض أنها صديقة بالنسبة لبلاده. وبالطبع، هدّد بحسم الأمور مع كوبا نهائيًا.
تتناقض هذه التهديدات تمامًا مع الموقف الذي اتخذه ترامب خلال الحملة الانتخابية، حين ندّد بمزاعم جو بايدن بالهيمنة العالمية، وأكد أنه لن يبدأ حروبًا جديدة. وهذا يثير التساؤل الحتمي: هل يستطيع ترامب تحمّل المزيد من الأعمال العدوانية في سياق السياسة الداخلية الأمريكية؟ تشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أنه يستطيع ذلك على الأقل فيما يتعلق بقاعدته الجمهورية الأساسية. بحسب استطلاع رأي حديث أجرته NPR/Ipsos، انخفضت نسبة الجمهوريين الذين وافقوا على عبارة “لا ينبغي للولايات المتحدة أن تخشى استخدام قوتها العسكرية” من 67% إلى 23%. ومن المثير للاهتمام أن نسبة الجمهوريين الذين يرغبون في أن تلعب الولايات المتحدة “دورًا أقل فاعلية” في العالم، وفقًا لاستطلاع رأي آخر أجرته AP-NORC، قد انخفضت من 53% في فبراير 2024 إلى 43% في مارس 2025، ثم إلى 34% في سبتمبر 2025، لتصل الآن إلى 26% فقط. إضافة إلى ذلك، أظهر استطلاع رأي أجرته كلية ماريست نتائج أكثر إثارة للدهشة، حيث بلغت نسبة الجمهوريين الذين يؤيدون العمل العسكري ضد: 1) فنزويلا – 83%، 2) إيران – 75%، 3) المكسيك – 74%، 4) كوبا – 71%، 5) جرينلاند – 57%.
لماذا غيّر هذا العدد الكبير من الناخبين الجمهوريين موقفهم من الدور الدولي للولايات المتحدة؟ الإجابة ليست صعبة. أولًا، على الرغم من أن شعبية ترامب الإجمالية في الولايات المتحدة تقل حاليًا عن 40%، فإن الغالبية العظمى من الجمهوريين ما زالوا يؤيدونه بحماس كزعيم لهم، وهم على استعداد لاتباع نهجه السياسي المقترح داخل الولايات المتحدة وخارجها. ولكن هناك سبب ثانٍ لا يقل أهمية. ففي حالتي إيران وفنزويلا، شنت الولايات المتحدة، مستخدمة تفوقها الجوي الساحق، ضربات مدمرة ضد العدو دون أن تفقد جنديًا أمريكيًا واحدًا. وفي كلتي الحالتين، اقتصرت الإجراءات على ضربات قصيرة المدى دون أي وجود عسكري أمريكي مطول في هاتين الدولتين.
ومن المهم أيضًا الأخذ في الاعتبار أن هذه الأرقام تعكس دعم ترامب تحديدًا بين الجمهوريين. فحتى بين الناخبين المستقلين، وخاصة بين الديمقراطيين، توجد مؤشرات قوية على معارضة التدخلات العسكرية الأجنبية. ومن الصعب التنبؤ إلى أي مدى سيؤثر هذا النقص في الدعم الشعبي في البلاد، لا سيما مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل، على ترامب. ففي الماضي، سواء كرجل أعمال أو كرئيس، أظهر استعدادًا لاستخدام القوة دون اكتراث يُذكر بالقانون الدولي أو بوعوده للناخبين. في الوقت نفسه، كان يعرف متى يتوقف ويتجنب الصدامات مع القوى العظمى الأخرى، مُظهِرًا احترامًا كبيرًا لقادتها. لكن ذلك كان قبل الضربات الناجحة على إيران وفنزويلا، وكما يُقال، الشهية تأتي مع توفر الطعام. إضافةً إلى ذلك، أصبح ترامب نفسه الذي سيبلغ الثمانين قريبًا، وفقًا لمن يعرفونه جيدًا، أكثر عفويةً وعشوائية في ردود أفعاله.
