في خطوة دبلوماسية لافتة، استضافت إثيوبيا بين التاسع والحادي عشر من مارس 2026 سفراء إسرائيل والأردن والكويت والسعودية والإمارات وسلطنة عُمان في أديس أبابا. وبحسب وزارة الخارجية الإثيوبية، تمحورت النقاشات حول تعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع التعاون الاقتصادي وتبادل وجهات النظر حول التطورات الإقليمية.
وقد سبق هذا الاجتماع حراكٌ دبلوماسي مكثف؛ إذ زار الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ أديس أبابا في الخامس والعشرين من فبراير 2026، حيث أكد للرئيس التنفيذي أبي أحمد أن ثمة أطرافاً تسعى إلى تقويض العلاقات الإسرائيلية في أفريقيا، غير أن الروابط المشتركة “أقوى من أي محاولة لإحداث الانقسام”.
ثانياً: البُعد الاستراتيجي — الصراع على منطقة الممرات المائية
تندرج هذه التطورات في سياق صراع إقليمي أعمق على الهيمنة في البحر الأحمر وخليج عدن. فمنذ السابع من أكتوبر 2023، أطلق الحوثيون المدعومون إيرانياً صواريخ باتجاه إسرائيل وعطّلوا الشحن التجاري الدولي في البحر الأحمر وخليج عدن، مما دفع إسرائيل إلى توسيع انخراطها في المسرح الجيوسياسي للقرن الأفريقي.
ويُحكم الموقع الجغرافي لصوماليلاند هذه المعادلة؛ إذ تتيح صوماليلاند المُطلّة على ساحل خليج عدن لإسرائيل فرصة إنشاء مواقع عسكرية لتعزيز قدراتها العملياتية، فضلاً عن إمكانية التأثير على حركة التجارة البحرية والوصول دون عوائق إلى القرن الأفريقي.
ثالثاً: الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند — الزلزال الجيوسياسي
في تحوّل تاريخي، أصبحت إسرائيل في السادس والعشرين من ديسمبر 2025 أول دولة عضو في الأمم المتحدة تعترف رسمياً بجمهورية صوماليلاند المستقلة. وأطّر رئيس الوزراء نتنياهو القرار بوصفه جاء “بروح اتفاقيات أبراهام”.
وتفيد المعطيات بأن هذا الاعتراف يحمل أبعاداً أمنية مباشرة؛ ففي الثالث عشر من يناير 2026، أكد وزير خارجية صوماليلاند أن “لا حدود لمجالات التعاون” مع إسرائيل، في إشارة إلى نقاشات جارية بشأن إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية محتملة.
وفي المقابل، أكد المجلس الأطلسي أن الاعتراف يرفع مستوى العلاقات من التنسيق غير الرسمي إلى التعاون الحكومي المؤسّس، مما يتيح قنوات رسمية للحوار الأمني وحضور دبلوماسي إسرائيلي وتعاوناً في أمن الموانئ، في سياق مواجهة التهديدات الحوثية.
رابعاً: إثيوبيا — المحور الذي يريده الجميع
تقع إثيوبيا في قلب هذه المنافسة بسبب ثقلها الديموغرافي وطموحاتها في الوصول إلى البحر. فالقرن الأفريقي يقع على تقاطع المنظومتين الأمنيتين الأفريقية والشرق أوسطية، ويُطلّ على البحر الأحمر ويجاور اليمن، مسرح التنافس الإيراني-الخليجي، ويشكّل ممراً بحرياً حيوياً يربط أوروبا بالخليج وآسيا.
وقد دفع هذا الواقع واشنطن إلى إعادة الحسابات؛ إذ شهدت مطلع 2026 تصاعداً في الاتصالات الأمريكية-الإثيوبية، حيث أشادت قيادة الأفريكوم بمساهمات إثيوبيا في الأمن الإقليمي وأكدت الدعم الأمريكي لجهودها في مكافحة الإرهاب.
كما تُعيد خطوة واشنطن دعم طموحات إثيوبيا البحرية تشكيل المشهد الجيوسياسي، إذ تجعل من أديس أبابا ركيزة محورية في منطقة تتنافس فيها الصين وروسيا على النفوذ.
وفي المقابل، يسعى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان من خلال زيارته لأديس أبابا في فبراير 2026 إلى تموضع الرياض بوصفها وسيطاً لا منحازاً أيديولوجياً، في إطار استراتيجية تقوم على تعزيز التواصل الدبلوماسي مع إثيوبيا لموازنة النفوذ الإماراتي دون انحياز مشروط.
خامساً: التحالفات المضادة_ التكتل ضد إثيوبيا وإسرائيل
في مواجهة هذه الديناميكيات، برز تكتل إقليمي مضاد؛ ففي أبريل 2025، أكد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي خلال زيارته لجيبوتي أن ولاية البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول الساحلية، في موقف يُقصي إثيوبيا فعلياً من أي ترتيبات أمنية في هذه المنطقة الحيوية.
وبينما تنتقد الصين هذه التطورات، فإن مقاومة بكين للاعتراف بصوماليلاند لا تتعلق بأفريقيا وحدها، بل بالسابقة التي تنشأ في ممر بحري محوري لاستراتيجيتها العالمية، إذ تسعى إلى بناء قوس من النفوذ الممتد من القرن الأفريقي حتى قناة السويس.
خلاصة تحليلية
تكشف هذه التطورات في مجملها أن القرن الأفريقي والبحر الأحمر باتا ساحة تتشابك فيها الحسابات الإيرانية والأمريكية والإسرائيلية والخليجية والصينية والتركية معاً. فمن مأساة الحرب في السودان إلى التحديات الأمنية في الصومال وطموحات إثيوبيا في الوصول إلى البحر، تُعاد رسم خريطة المنطقة في الوقت الفعلي، تحت ضغوط متراكمة تتشابك فيها عوامل الأزمة الخليجية مع ديناميكيات القرن الأفريقي الداخلية.
