بينما تسعى دول منطقة الساحل لفرض سيادتها الرقمية والأمنية، برز لاعب تكنولوجي غير متوقع في عمق الصحاري والمناطق الخارجة عن السيطرة؛ تقنية “ستارلينك” (Starlink). هذا النظام، الذي صُمم لربط العالم بالإنترنت، تحول في أيدي الجماعات المسلحة في الساحل إلى “رئة رقمية” تسمح لهم بالتنفس بعيداً عن أعين الرقابة الحكومية.
تجاوز “الرادار” الأمني
في هذا التحقيق، نستند إلى المعطيات التي كشف عنها فياكر فيدجينينو، الباحث في معهد “إيغمونت” ببروكسل، والذي أكد أن الجماعات المسلحة لم تعد تعتمد على شبكات الاتصال التقليدية التي يسهل على الجيوش الوطنية مراقبتها أو قطعها.
الهدف بات واضحاً: الهروب من التتبع الرقمي. فمن خلال هذه الأجهزة، تنجح المجموعات المسلحة في:
- الإفلات من أنظمة فك التشفير: التي تستخدمها القوات الحكومية لمراقبة التطبيقات المشفرة.
- التنسيق الميداني اللحظي: إدارة العمليات العسكرية بين وحداتهم المنتشرة في مناطق جغرافية شاسعة ومعزولة.
- الحرب الإعلامية: سرعة رفع المواد الدعائية ومقاطع الفيديو، مما يمنحهم تفوقاً في الخطاب الإعلامي الموجه.
طرق التهريب: نيجيريا هي “البوابة”
تكشف المصادر الميدانية أن هذه الأجهزة لا تدخل عبر القنوات الرسمية، بل يتم تهريبها عبر شبكات معقدة، غالباً ما تنطلق من نيجيريا. ورغم التكلفة الباهظة التي تتراوح ما بين 350,000 و400,000 فرنك أفريقي للطقم الواحد، إلا أن هذه المجموعات لا تتردد في دفع مبالغ إضافية لتأمين الاتصال المستمر.
لقد وثقت الأبحاث أن جماعات مثل “نصرة الإسلام والمسلمين” (JNIM) وتنظيم “الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا” (ISWAP) كانت سبّاقة في استخدام هذه التقنية منذ عام 2023، مستغلةً الفراغ القانوني والتقني الذي سبق تشريع هذه الخدمة في دول المنطقة.
تحديات السيطرة: “اعتراض شبه مستحيل”
التحدي الأكبر الذي يواجه أجهزة الاستخبارات في منطقة الساحل هو أن اتصال “ستارلينك” لا يمر عبر البوابات الوطنية للإنترنت، مما يجعل اعتراض البيانات أو تحديد المواقع بدقة أمراً في غاية الصعوبة. هذا الاستقلال التقني يمنح الجماعات المسلحة “حصانة رقمية” تعزز من قدرتها على الصمود والمناورة.
الخلاصة
إن معركة الساحل لم تعد تقتصر على الأرض فحسب، بل انتقلت إلى الفضاء الرقمي. أصبحت قضية السيطرة على توزيع أجهزة “ستارلينك” وتنظيم عملها في المناطق الحساسة هي الرهان الأمني الأول لدول المنطقة. فالتكنولوجيا التي وُجدت لخدمة الإنسانية، أصبحت اليوم -في ظل غياب الرقابة- أداة استراتيجية في يد من يسعون لزعزعة الاستقرار.
