التلفزيون القومي السوداني واحدا من أوائل المؤسسات الوطنية التي طالتها نيران الحرب منذ اندلاعها في أبريل 2023، بوصفه رمزا للدولة وذاكرتها البصرية وصوتها الرسمي الموجه إلى الداخل والخارج. فمنذ تأسيسه، لعب دورا أساسيا في تقديم الخطاب الرسمي ومرافقة التحولات الكبرى التي شهدها السودان على مدى عقود.
وقف وزير الثقافة والإعلام والسياحة، الأستاذ خالد علي الأعيسر، على الأوضاع بالهيئة العامة السودانية للبث الإذاعي والتلفزيوني بمقرها في مدينة أم درمان، واطلع ميدانيا على حجم الدمار الكبير الذي لحق بالهيئة، موضحا أن الهيئة تكبدت خسائر تقدر بأكثر من خمسة عشر مليون دولار، نتيجة تدمير وإتلاف المعدات الفنية، وسرقة نحو خمسين جهاز إرسال )ترانسميتر(، إلى جانب تعطل ثلاثين محطة بث إذاعي تعمل على الموجات المتوسطة والقصيرة.
وفي هذا الشأن، أفاد الأستاذ هجو أحمد محمد _رئيس تحرير النشرات الإخبارية بالتلفزيون السوداني ، لـ«براون لاند»، أن مبنى الهيئة كان منذ اندلاع الحرب في قبضة مليشيا الدعم السريع التي كانت تتواجد داخله منذ العام 2019، ما مكنها من السيطرة على الإذاعة والتلفزيون منذ اللحظات الأولى. وأضاف أن فشلها في تشغيل المحطة واستمرار البث دفعها إلى ممارسة تخريب ممنهج طال الأجهزة والمعدات والمباني والاستديوهات.
وأشار إلى أن التلفزيون تعرض لدمار واسع شمل الأجهزة والمعدات والأصول، بما في ذلك عربات التلفزة وأجهزة النقل المباشر، لافتًا إلى أن تقديرات أولية صدرت سابقًا قدرت حجم الخسائر بأكثر من 30 مليون دولار، مع احتمالية زيادة الرقم بعد اكتمال عمليات الحصر والتقييم.
وبحسب أفادته ، فإن الأقسام الفنية والهندسية والتقنية كانت الأكثر تضررا، إلى جانب الاستديوهات التي تعرضت لدمار شامل، وعلى رأسها استديو علي شمو، واستديو )ب(، إضافة إلى صالة استديو الأخبار، ما شكل تحديا كبيرا أمام أي محاولة لإعادة التشغيل.
وفي خطوة تعكس توجها نحو التعافي وإعادة الإعمار، عاد التلفزيون إلى البث مجددا بتقديم أول نشرة أخبار من داخل مقره الرسمي بمدينة أم درمان بعد توقف نحو ثلاثة سنوات، انتقل خلالها البث إلى مدينة بورتسودان. يأتي ذلك بالتزامن مع محاولات إعادة تشغيل عدد من المؤسسات الخدمية والسيادية، وتمثل هذه العودة مؤشرا على سعي الدولة لاستعادة حضورها المؤسسي وإعادة تفعيل دور الإعلام الرسمي في مرحلة تتسم بتعقيدات سياسية وأمنية، وسط آمال بأن تسهم هذه الخطوة في دعم الاستقرار.
وصف الأستاذ هجو أحمد عملية إعادة البث بأنها «ملحمة كبرى» واجهت العديد من المخاطر والتحديات،
بدأت منذ تحرك الفريق المكلف بإعادة البث من مدينة بورتسودان، مرورًا بعمليات التجمع والتحرك داخل مناطق وأحياء ولاية الخرطوم، وصولًا إلى وادي سيدنا بعد مرور خمسين يومًا على اندلاع الحرب.
موضحا أن العمل انطلق من الصفر في ظل ظروف بالغة التعقيد، بهدف تمكين التلفزيون من أداء دوره الوطني في مواجهة الحملات الإعلامية الدعائية، مؤكدًا أن المؤسسة نجحت في استعادة البث وامتلاك زمام المبادرة.
الذاكرة الصامدة – الأرشيف التلفزيوني
يمثل أرشيف الإذاعة والتلفزيون السوداني إرثا معرفيا وثقافيا بالغ الأهمية يشمل المكتبة الورقية ووحدات
الأفلام والإنتاج السينمائي، والتسجيلات التلفزيونية والإذاعية، التي توثق الأحداث الوطنية والسياسية والاجتماعية والثقافية على مدار أكثر من سبعة عقود منذ تأسيس الإذاعة عام 1940 وبدء البث التلفزيوني عام .1962
ويمكن اعتباره موطنا للمواد التاريخية النادرة، التي تسهم في الحفاظ على الهوية الوطنية ونقل التجارب
للأجيال القادمة. ولكنه لم ينجو بصورة كاملة حيث تعرض الأرشيف لتهديد مباشر من عمليات التخريب وإمكانية الحرق أو التدمير، وبناء على ذلك ناشدت الجهات المعنية المنظمات الدولية، مثل اليونسكو والمنظمات العاملة في مجال حفظ التراث المادي والإنساني، للتدخل من أجل حماية هذا الإرث وضمان استمرارية الوصول إلى المواد التاريخية، وتفادي فقدان هذا الموروث الثقافي الثمين.
وفي هذا الشأن قال الأستاذ هجو أحمد بأن الأرشيف التلفزيوني نجا إلى حد كبير من التلف والتخريب،
موضحا أنه عقب تحرير مبنى التلفزيون وجدت المكتبة بحالة جيدة. وأضاف أن هناك عددا من النسخ البديلة والمحفوظات التي جرى أرشفتها إلكترونيا قبل اندلاع الحرب، ورغم عدم اكتمال مشروع الأرشفة، إلا أنه شكل نقلة نوعية في الحفاظ على الذاكرة البصرية للتلفزيون.
وأوضح أن الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون تعد من أهم المؤسسات الرسمية الناطقة باسم الدولة والمجتمع، مشيرا إلى أن خطط إعادة تأهيل البنية التحتية تستند إلى رؤية شاملة ضمن خطط الدولة، ووفق توجهات وزارة الإعلام وإدارة الهيئة، على المدى القصير والمتوسط والطويل.
مؤكدا أن عودة التلفزيون إلى مقره في أم درمان تمثل نقلة كبيرة تعكس مؤشرات التعافي الوطني، وتدعم برامج العودة إلى الديار وإعادة الإعمار والبناء، خاصة في ظل ما تتعرض له هذه البرامج من حملات إعلامية دعائية معادية.
وبين دمار الحرب ومحاولات النهوض من جديد، تظل عودة التلفزيون السوداني إلى البث أكثر من مجرد استعادة لإشارة على الشاشة، بل خطوة في مسار طويل لإعادة بناء الإعلام الوطني واستعادة دوره في لحظة مفصلية من تاريخ البلاد.
