أعادت عملية أمنية نفذتها قوات الدفاع والأمن في ضواحي مدينة تاهوا ملف سرقة الماشية والاتجار بها عبر الحدود إلى واجهة المشهد الأمني في النيجر، بعدما اعترضت السلطات قطيعاً ضخماً كان يتحرك ليلاً باتجاه شرق المدينة، وأوقفت 142 شخصاً كانوا يقودونه.
وبحسب وكالة الأنباء النيجرية، وقعت العملية في الساعات الأولى من يوم 23 أغسطس، عقب ورود معلومات استخباراتية عن حركة غير اعتيادية للماشية من غرب تاهوا نحو شرقها. وأسفرت العملية عن حجز 5,171 رأساً، بينها 2,055 من الأبقار، و3,085 من الأغنام، و16 من الماعز، إضافة إلى فئة أخرى من الماعز وردت في بيان الوكالة بالعدد نفسه تقريباً، ما يستدعي تدقيق الرقم الأصلي في المحضر الرسمي. كما فتحت السلطات تحقيقاً لتحديد مصدر الماشية وملكيتها ووجهتها.
من الرعي إلى اقتصاد الجريمة
و اللافت في حادثة تاهوا ليس حجم القطيع فحسب، وإنما عدد الأشخاص الذين كانوا يقودونه وتوقيت الحركة ومسارها. فوجود 142 شخصاً مع آلاف الرؤوس من الماشية، والتحرك ليلاً من غرب المدينة إلى شرقها، دفع السلطات إلى اعتبار العملية غير اعتيادية، وإلى وضع القطيع تحت الحجز المؤقت إلى حين تحديد مصدره ومالكيه.
وتكتسب هذه الحادثة أهمية أكبر في ضوء التطور الذي شهدته منطقة الساحل خلال السنوات الأخيرة، حيث تحولت سرقة الماشية من جريمة محلية إلى جزء من اقتصاد الحرب والجريمة المنظمة المرتبط بالجماعات المسلحة.
في مالي، وثقت دراسات متخصصة اتساع عمليات سرقة الماشية في مناطق نفوذ الجماعات الجهادية، خصوصاً في الوسط والشمال، وتحولها إلى مصدر تمويل للجماعات المسلحة، فضلاً عن استخدامها وسيلة للضغط الاقتصادي على السكان وإضعاف المجتمعات المحلية.
كما تؤكد تقارير عن النيجر أن الجماعات الإرهابية سرقت الماشية من السكان في مناطق النزاع، وأن عمليات عسكرية سابقة أسفرت عن استعادة قطعان كانت قد انتزعتها جماعات مسلحة من أصحابها.
الماشية المسروقة تتحول إلى أموال:-
تكمن أهمية سرقة الماشية بالنسبة للجماعات المسلحة في أنها توفر مورداً مالياً سريعاً نسبياً.
فبدلاً من الاحتفاظ بالقطعان، يمكن نقلها إلى مناطق بعيدة عن مكان السرقة، ثم بيعها عبر وسطاء وأسواق محلية أو إقليمية، وهو ما يجعل تتبع مصدرها أكثر صعوبة.
وتشير دراسات حول اقتصاد الجماعات المسلحة في الساحل إلى أن سرقة الماشية أصبحت جزءاً من منظومة اقتصادية تضم السارقين، والوسطاء، والرعاة، والتجار، ووسائل النقل والأسواق، وتستفيد من ضعف الرقابة على الحدود والأسواق الحيوانية.
وفي بعض الحالات لا تكتفي الجماعات المسلحة بالسرقة المباشرة، وإنما تفرض على أصحاب القطعان ما يشبه الإتاوات أو “الزكاة”، بينما تلجأ في مناطق أخرى إلى الاستيلاء الكامل على القطعان.
نيجيريا.. السوق الأكبر في مسار الماشية غير المشروعة:-
هنا تبرز نيجيريا باعتبارها إحدى أهم حلقات تجارة الماشية في غرب إفريقيا.
وتشير تحليلات متخصصة إلى أن الماشية المسروقة في منطقة الساحل يمكن أن تدخل شبكات تجارة عابرة للحدود، وأن نيجيريا تمثل سوقاً مهماً لتصريف الحيوانات المسروقة بسبب حجم الطلب والأسواق الحيوانية الكبيرة في شمال البلاد. كما وثقت دراسات عن جماعات مسلحة في المنطقة نقل الماشية المسروقة إلى مناطق بعيدة عن مكان الاستيلاء عليها لإخفاء مصدرها وإعادة بيعها.
وفي هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى الحدود بين النيجر ومالي ونيجيريا باعتبارها خطوطاً سياسية فقط، بل باعتبارها فضاءً اقتصادياً تتحرك داخله شبكات الرعي والتجارة والجريمة المسلحة.
وتساعد المساحات الحدودية الواسعة، والطرق الريفية، وضعف الرقابة على بعض المعابر والمسارات، على نقل الحيوانات لمسافات طويلة قبل عرضها في الأسواق.
مؤشرات من الجانب النيجيري:-
تكشف العمليات الأمنية الأخيرة في شمال نيجيريا أن سرقة الماشية ليست نشاطاً هامشياً بالنسبة للجماعات المسلحة.
ففي 20 أغسطس الجاري، استعادت القوات النيجيرية 320 رأساً من الماشية المسروقة في ولاية سوكوتو، بعدما اشتبكت مع مسلحين كانوا ينقلون القطيع، وفر هؤلاء باتجاه الحدود مع النيجر.
وقبل ذلك بأيام، أعلنت القوات النيجيرية استعادة 47 بقرة و18 من الأغنام خلال عملية في ولاية النيجر النيجيرية، بعد اشتباك مع مسلحين مشتبه بهم.
وتشير هذه الوقائع إلى أن الماشية يمكن أن تكون جزءاً من الحركة اللوجستية للجماعات المسلحة عبر المناطق الحدودية، وليس مجرد ضحية ثانوية للنزاع.
من النيجر ومالي نحو نيجيريا؟
لا توجد حتى الآن أدلة علنية تثبت أن القطيع الذي ضبطته قوات تاهوا في هذه العملية تحديداً كان مسروقاً من مناطق نيجيرية أو مالية، أو أن وجهته النهائية كانت نيجيريا.
لكن الفرضية تستحق التحقيق الأمني والقضائي بالنظر إلى النمط الإقليمي الموثق.
فالسرقات المنظمة في مناطق النزاع بالنيجر ومالي يمكن أن تنتج قطعاناً كبيرة تتحرك عبر مسارات ريفية بعيدة عن نقاط المراقبة، قبل أن تدخل أسواقاً أخرى، حيث يصبح تحديد المالك الأصلي أكثر صعوبة.
وهذا بالضبط ما يجعل عملية تاهوا مهمة فالتحقيق لا ينبغي أن يقتصر على سؤال “من يقود هذه الماشية؟”، وإنما يجب أن يبحث في سلسلة كاملة:
من أين سُرقت؟
من استولى عليها؟ من نظم نقلها؟ من موّل العملية؟ من كان ينتظر استلامها؟ وأي سوق كان سيستقبلها؟
سرقة الماشية وتمويل الإرهاب:-
تكتسب المسألة بعداً أمنياً أخطر عندما تكون الجماعات الإرهابية جزءاً من هذه الشبكة.
فالدراسات المتعلقة بمالي ونيجيريا تظهر أن سرقة الماشية أصبحت أحد مصادر تمويل الجماعات المسلحة، إلى جانب الاختطاف والابتزاز والتهريب والذهب وغيرها من الأنشطة. وفي بعض المناطق، تستخدم الجماعات السيطرة على الماشية والأسواق الحيوانية كوسيلة لفرض النفوذ الاقتصادي والاجتماعي على السكان.
وبالتالي فإن البقرة المسروقة ليست مجرد خسارة اقتصادية لمزارع أو راعٍ؛ عندما تدخل في اقتصاد الجماعات المسلحة، يمكن أن تتحول إلى مصدر لشراء الوقود، والدراجات النارية، والأسلحة، والذخيرة، وتمويل عمليات التجنيد والنقل.
تاهوا أمام اختبار أمني وقضائي:-
قرار السلطات في تاهوا الاحتفاظ بالقطيع مؤقتاً وفتح تحقيق لتحديد مصدره يمثل خطوة مهمة، خصوصاً أن الحاكم دعا المواطنين الذين تعرضوا لسرقة أو اختطاف ماشيتهم إلى التواصل مع السلطات للمساعدة في التعرف على الحيوانات.
وإذا تمكنت السلطات من مطابقة جزء من القطيع مع بلاغات سرقة سابقة، فقد يتحول ملف تاهوا من مجرد عملية ضبط إلى خيط استخباراتي يقود إلى شبكة أكبر لسرقة ونقل وبيع الماشية.
والأهم سيكون تحديد هوية الـ142 شخصاً الذين كانوا يقودون القطيع، ومعرفة ما إذا كانوا ملاكاً فعليين، أو رعاة مستأجرين، أو وسطاء، أو ناقلين يعملون لحساب شبكة تجارية.
معركة تتجاوز الحدود:-
تكشف حادثة تاهوا أن مكافحة الإرهاب في الساحل لا يمكن أن تركز على المقاتلين والأسلحة فقط.
هناك اقتصاد موازٍ يتحرك خلف الجماعات المسلحة: ماشية مسروقة، ذهب، مخدرات، وقود، فدية، وطرق تهريب.
وفي حالة الماشية تحديداً، فإن مصدر المشكلة قد يكون في قرية نائية داخل النيجر أو مالي، بينما يتحقق الربح في سوق يبعد مئات الكيلومترات.
لذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تعاوناً أمنياً واستخباراتياً بين النيجر ومالي ونيجيريا، إلى جانب تشديد الرقابة على أسواق الماشية، وتعقب التجار والوسطاء، والتحقق من ملكية الحيوانات ومسارات نقلها.
أما قطيع تاهوا، الذي يضم أكثر من خمسة آلاف رأس ويقوده 142 شخصاً، فقد يكون مجرد قطيع غير قانوني؛ لكنه قد يكون أيضاً نافذة تكشف مساراً أكبر من اقتصاد الماشية المسروقة الذي يمول العنف المسلح في منطقة الساحل.
والحسم في ذلك سيكون بيد التحقيق الذي فتحته السلطات: تحديد أصحاب الحيوانات، ومصدرها، والجهة التي كانت ستستلمها، والمسار الذي كان من المفترض أن تسلكه.
