صعّدت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) خطابها الدعائي والسياسي ضد السلطات في بوركينا فاسو، في تسجيلات جديدة بثتها الجماعة عبر منصة «منبر البيان» باللغة المورِه، تضمنت رسائل مباشرة إلى الحكومة، إلى جانب اتهامات للقوات الحكومية بارتكاب انتهاكات واسعة بحق المدنيين.
وظهر في التسجيلات أربعة متحدثين عرّفوا أنفسهم بأسماء حمزة الأنصاري، عبد الحق الأنصاري، أبو سلمة الأنصاري ومسلم الأنصاري، حيث رفضوا وصف الجماعة بأنها «إرهابية»، وقدموا عناصرها باعتبارهم «جهاديين» يسعون، بحسب خطابهم، إلى إقامة نظام حكم يستند إلى الشريعة الإسلامية في بوركينا فاسو.
وقالت الجماعة، وفق مضمون التسجيلات، إن قبول السلطات بتطبيق الشريعة سيؤدي إلى ما وصفته بانتهاء «الإرهاب»، بينما سيؤدي اختيار الحكومة مسارًا آخر إلى استمرار المواجهة.
اتهامات للقوات الحكومية:-
وفي الجزء الآخر من التسجيلات، اتهمت الجماعة الدولة نفسها بأنها «الإرهابي الحقيقي»، زاعمة أن القوات الحكومية قتلت خلال الفترة الأخيرة أعدادًا كبيرة من المدنيين، بينهم نساء وأطفال ومسنون.
وشملت الاتهامات مناطق كايا ونامينتينغا وبولسا، حيث زعمت الجماعة أن قرى بأكملها دُمّرت في زويغو ونامانغويم.
كما تحدثت عن مقتل نساء وأطفال في محيط جيبو وسيرغادجي وبورو وسيي وبيتوغولي، وحمّلت القوات الحكومية مسؤولية تلك الأحداث.
ولم يتسنَّ، استنادًا إلى مضمون التسجيلات وحده، التحقق بصورة مستقلة من جميع هذه الاتهامات، التي تأتي في إطار خطاب صادر عن جماعة مسلحة لها مصلحة مباشرة في التأثير على الرأي العام وتشويه صورة خصومها.
خطاب يتجاوز العمل المسلح:-
ويرى مراقبون أن أهمية التسجيلات لا تكمن فقط في الاتهامات المتبادلة، وإنما في محاولة JNIM تقديم الصراع باعتباره نزاعًا على طبيعة الدولة ونظام الحكم.
فالجماعة لا تكتفي، في خطابها الجديد، بتبرير الهجمات أو رفض تصنيفها كتنظيم إرهابي، وإنما تقدم نفسها باعتبارها صاحبة مشروع ديني وسياسي بديل، وتربط إنهاء القتال بقبول السلطات بشروطها المتعلقة بتطبيق الشريعة.
كما أن استخدام لغة المورِه يعكس توجهًا نحو توسيع نطاق الرسالة الدعائية والوصول مباشرة إلى جمهور محلي واسع، بدل الاكتفاء بالخطاب الموجه إلى المتابعين باللغة العربية أو الفرنسية.
محاولة لقلب الرواية:-
ويعتمد الخطاب الجديد على محاولة واضحة لقلب الرواية السائدة بشأن الصراع؛ فبدل أن تظهر JNIM باعتبارها الطرف الذي يهدد المدنيين والدولة، تسعى الجماعة إلى تقديم نفسها باعتبارها طرفًا يقاتل ضد ما تصفه بـ«إرهاب الدولة».
ويأتي التركيز على النساء والأطفال والمسنين ضمن خطاب يستهدف التأثير في المجتمعات المحلية المتضررة من العمليات العسكرية، وتحويل الخسائر والانتهاكات المزعومة إلى أدوات للتعبئة وكسب التعاطف.
وفي المقابل، فإن وصف عناصر الجماعة لأنفسهم بـ«الجهاديين» بدل «الإرهابيين» يمثل محاولة لإعادة تأطير الصراع ضمن إطار ديني وأيديولوجي، وإضفاء شرعية على النشاط المسلح من منظور الجماعة.
دلالة سياسية وأمنية:-
وتشير مضامين التسجيلات إلى أن JNIM تسعى إلى تجاوز صورتها كتنظيم مسلح يعمل من خارج مؤسسات الدولة، عبر طرح نفسها بصورة أقرب إلى طرف يمتلك مشروعًا للحكم.
غير أن ربط وقف العنف بتغيير طبيعة نظام الحكم يجعل الرسالة أقرب إلى موقف سياسي مشروط مصحوب بالتهديد باستمرار القتال، وليس إعلانًا عن هدنة أو مبادرة سلام.
وتأتي هذه الرسائل في وقت تواجه فيه بوركينا فاسو تحديات أمنية متزايدة، مع استمرار نشاط الجماعات المسلحة في عدة مناطق من البلاد، وتنامي أهمية الحرب الإعلامية إلى جانب العمليات الميدانية.
و تكشف هذه التسجيلات الجديدة عن تصعيد في الخطاب الإعلامي والسياسي لـJNIM، يقوم على ثلاثة مسارات متوازية: نفي صفة الإرهاب عن الجماعة، اتهام الدولة بارتكاب الإرهاب ضد المدنيين، وطرح مشروع للحكم قائم على الشريعة الإسلامية.
وبينما تبقى الاتهامات الموجهة إلى القوات الحكومية بحاجة إلى تحقق مستقل، فإن أهمية هذه الرسائل تكمن في أنها تعكس محاولة الجماعة إعادة تعريف الصراع أمام الجمهور المحلي من مواجهة أمنية مع تنظيم مسلح إلى صراع على الشرعية السياسية والدينية ومستقبل الدولة.
ويمثل هذا التحول في الخطاب مؤشرًا يستحق المتابعة، خصوصًا إذا تزامن مستقبلًا مع تحركات ميدانية أو محاولات للجماعة لتعزيز نفوذها الإداري والاجتماعي في المناطق التي تنشط فيها.
