نقلاً عن صحيفة براون لاند السودانية
شهدت منطقة الشرق الأوسط خلال الأسابيع الماضية واحدة من أخطر جولات التصعيد منذ سنوات. تمثلت في مواجهة جمعت إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، امتدت من الخليج العربي ومضيق هرمز إلى العمق الإيراني ولبنان. بدا في البداية أن الأمور تتجه نحو حرب إقليمية واسعة. إلا أنها انتهت أمس باتفاق بين إيران وأمريكا. هذا الاتفاق أثار نقاشاً واسعاً حول حقيقة ما جرى، ومن خرج منتصراً استراتيجياً من هذه المواجهة.
بداية التصعيد
نعيد إلى الأذهان أن التصعيد بدأ بضربة إيرانية ضد إسرائيل، أعقبها رد إسرائيلي محدود احتوته الولايات المتحدة سريعاً. لكن الأزمة تفجرت بشكل أخطر بعد سقوط مروحية أباتشي أمريكية في مضيق هرمز. وقعت هذه الحادثة حسب الرواية الأمريكية إثر اصطدام المروحية بطائرة مسيرة إيرانية. ردت عليها واشنطن بسلسلة ضربات بدأت بالبنية التحتية للملاحة في المضيق. سرعان ما توسعت الضربات لتشمل أهدافاً داخل الأراضي الإيرانية، بما في ذلك مواقع في مدينة كرج.
ينبغي القول إن السمة الأبرز في هذه الجولة تمثلت في الرد الإيراني المضاعف. عندما استهدفت أمريكا عشرة أهداف إيرانية، ردت طهران بضرب حوالي ثلاثين هدفاً أمريكياً برياً وبحرياً. وعندما تعرضت ثمانية أهداف إيرانية لهجمات، جاء الرد الإيراني بثمانية عشر هدفاً. كما أن استهداف برج الاتصالات في جزيرة قشم قابله هجوم إيراني على ثلاث قواعد أمريكية. بهذه السياسة فرضت إيران معادلة ردع جديدة أعلنت عنها بشكل صريح. لا يتمثل جوهرها في أنها ترد على الهجوم فحسب، وإنما تجعل كلفة أي عمل أمريكي أعلى من مكاسب محتملة. هذا تطور كبير يستحق الذكر.
إيران وأمريكا: فشل أهداف واشنطن وتل أبيب
لا بد من الإشارة إلى فشل الولايات المتحدة وإسرائيل في تحقيق أهدافهما العسكرية المعلنة. كانت الأهداف الرئيسية بعد انتهاء المرحلة الساخنة من الحرب هي تأمين حرية الملاحة في هرمز ودفع إيران لتقديم تنازلات نووية. هذه الأهداف التي لم تتحقق عسكرياً عادت لتظهر على طاولة المفاوضات كملفات تفاوضية.
وتشير المعطيات إلى أن قنوات التفاوض لم تتوقف خلال الأعمال العسكرية. وكما بات معروفاً، توجت في النهاية باتفاق رسمي بين الجانبين. إلا أن تعديلات أمريكية قد أدت إلى انهيارها واندلاع التصعيد العسكري المذكور الذي انتهى بالعودة إلى جوهر التفاهمات السابقة.
دلالات استراتيجية هامة
أظهرت إيران استعداداً حقيقياً لخوض حرب شاملة. إضافة إلى ذلك، أثبتت أن قدراتها الهجومية لم تعد دفاعية فقط، بل باتت قادرة على استهداف القواعد والمصالح الأمريكية والإسرائيلية. تحولت القواعد الأمريكية في المنطقة التي لطالما كانت أدوات لإسقاط القوة إلى أهداف مباشرة، مما يعني فقدانها جزءاً كبيراً من قيمتها الردعية وتحولها إلى عبء أمني يحتاج حماية دائمة. هذا الأمر بدوره ينذر بانكماش عسكري أمريكي محتمل في المنطقة.
أما في الجبهة اللبنانية، فاستمرت حالة الاستنزاف لإسرائيل دون تحقيق أي إنجاز استراتيجي للأخيرة. هذا الموقف عزز موقع إيران وحلفائها فيما يطلق عليه “محور المقاومة”.
هزيمة أمريكية
لا شك أن الاتفاق يعتبر اعترافاً ضمنياً بهزيمة أمريكية، إذ لم تحقق واشنطن أي إنجاز يُذكر. بل تنازلت عن مطالب كانت تفرضها قبل الحرب مقابل تنازلات ملموسة من جانبها. هذا يعكس تحولاً استراتيجياً مهماً: إدراك واشنطن لحدود قدرتها على استخدام القوة العسكرية ضد دول تمتلك قدرات ردع حقيقية.
كما يُنذر الاتفاق بتباعد متزايد بين الحسابات الأمريكية والإسرائيلية. يتجلى هذا بشكل واضح على ضوء أن إسرائيل أصبحت الطرف الأكثر عزلة. فبسبب الاغتيالات المتكررة لقيادات إيرانية، أصبح التعايش بين إيران وإسرائيل مستحيلاً. علاوة على ذلك، قد تجد تل أبيب نفسها تواجه “محور المقاومة” وحدها في مواجهة طويلة الأمد.
ميزان قوى جديد
من الجدير بالذكر أن إيران خرجت من حرب الأربعين يوماً في موقع أقوى مما كانت عليه قبلها. عززت سيطرتها على معادلة أمن الخليج ورسخت قدرة الرد المباشر على القواعد الأمريكية. كما منحت حلفاءها في “محور المقاومة” زخماً إضافياً لزيادة كلفة الهجوم الإسرائيلي.
أما الولايات المتحدة، فقد وجدت نفسها أمام واقع جديد يفرض عليها إعادة النظر في أدوات نفوذها التقليدية في الشرق الأوسط.
المرحلة المقبلة لن تكون تسوية نهائية، بل مرحلة تتخللها جولات تصعيد وتهدئة، لكن بميزان قوى جديد. المنطقة بعد هذه الحرب ليست كما كانت قبلها.
العقبة المحتملة
يُحتمل أن تشكل إسرائيل عامة ورئيس وزرائها نتنياهو خاصة عقبة في طريق تنفيذ الاتفاق بين إيران وأمريكا. صرح نتنياهو علناً بأن إسرائيل لا ترى نفسها ملزمة ببند الاتفاق المتعلق بلبنان. كما قصفت عدة مواقع في الأراضي اللبنانية صباح اليوم، أي بعد الإعلان الرسمي عن إبرام الوثيقة. هذا يشكل خطراً عليها لأنها تنص على وقف هجوم إسرائيل على الأراضي اللبنانية وانسحابها منها.
