في تصعيد عسكري لافت ضد الجماعات المسلحة، أطلقت القوات الجوية التشادية خلال الأيام الماضية سلسلة غارات جوية مركزة استهدفت مواقع يشتبه بأنها تابعة لتنظيم “بوكو حرام” في منطقة حوض بحيرة تشاد، وذلك رداً على الهجمات الإرهابية التي شهدتها المنطقة يومي 4 و6 مايو الجاري وأسفرت عن خسائر بشرية ومادية في صفوف القوات التشادية.
وبحسب معطيات ميدانية، فإن العملية الجوية ركزت على الجزر والممرات الوعرة المنتشرة داخل بحيرة تشاد، وهي مناطق لطالما استغلتها الجماعات المتطرفة كملاذات طبيعية لشن الهجمات وتنفيذ عمليات التسلل بين الحدود التشادية والنيجيرية والنيجرية والكاميرونية. وقد استخدمت القوات التشادية طائرات هجومية ومروحيات قتالية لتنفيذ ضربات دقيقة استهدفت مخازن أسلحة ومواقع تجمع وتحركات لعناصر التنظيم.
ويأتي هذا التحرك العسكري في سياق استراتيجية تشادية تقوم على الرد السريع والعنيف ضد أي تهديد أمني في منطقة البحيرة، خاصة بعد تزايد وتيرة الهجمات المباغتة التي تعتمدها “بوكو حرام” ضد القواعد العسكرية ونقاط المراقبة الحدودية. وتشير التقديرات الأمنية إلى أن التنظيم يحاول إعادة ترتيب صفوفه مستفيداً من الطبيعة الجغرافية المعقدة للمنطقة ومن هشاشة الحدود المشتركة بين دول الحوض.
ويرى مراقبون أن اعتماد نجامينا على سلاح الجو يعكس إدراكاً متزايداً لصعوبة المواجهة البرية داخل تضاريس البحيرة، حيث تمنح الجزر الكثيفة والمستنقعات أفضلية تكتيكية للعناصر المسلحة. كما أن الضربات الجوية تحمل رسالة سياسية وأمنية مفادها أن تشاد لن تسمح بعودة التمركزات الإرهابية أو تحويل المنطقة إلى بؤرة استنزاف طويلة الأمد.
ورغم أن السلطات التشادية لم تكشف رسمياً عن حجم الخسائر التي تكبدها التنظيم، فإن مصادر أمنية محلية تحدثت عن تدمير عدة مواقع لوجستية وإجبار مجموعات مسلحة على الانسحاب نحو مناطق أكثر عمقاً داخل البحيرة. غير أن خبراء أمنيين يحذرون من أن الضربات الجوية وحدها قد لا تكون كافية للقضاء النهائي على التهديد، ما لم تُدعّم بعمليات استخباراتية وتنسيق إقليمي فعال بين دول لجنة حوض بحيرة تشاد.
وتظل منطقة بحيرة تشاد واحدة من أكثر البؤر الأمنية هشاشة في أفريقيا، حيث تنشط فيها فصائل متعددة مرتبطة بـ”بوكو حرام” وتنظيم “داعش – ولاية غرب أفريقيا”، مستفيدة من الفقر وضعف التنمية والتداخل القبلي والحدودي. وفي هذا السياق، تبدو العملية العسكرية التشادية جزءاً من معركة أوسع تسعى من خلالها دول المنطقة إلى منع الجماعات المتطرفة من استعادة زمام المبادرة بعد سنوات من الضربات المتلاحقة.
