تطورات النزوح القسري واللجوء وانعكاساتهما الإنسانية والأمنية في منطقة الساحل.
تشهد منطقة الساحل الإفريقي أزمة إنسانية متفاقمة نتيجة تداخل النزاعات المسلحة، وتدهور الأوضاع الأمنية، والصدمات المناخية، وضعف القدرة على توفير الاحتياجات الأساسية، إلى جانب محدودية التمويل المخصص للاستجابة الإنسانية. وتبرز بوركينا فاسو ومالي والنيجر بوصفها من أكثر الدول تأثرًا بهذه الأزمة، سواء من حيث النزوح الداخلي أو تدفقات اللاجئين عبر الحدود. وحذّرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وفق بيانات متداولة بتاريخ 22 أكتوبر 2026، من اضطرار نحو أربعة ملايين شخص إلى مغادرة منازلهم في الدول الثلاث، بينهم أكثر من 818 ألف لاجئ وطالب لجوء. وتعكس هذه الأرقام اتساع نطاق الأزمة وتزايد الأعباء الواقعة على السلطات المحلية والمجتمعات المضيفة والمنظمات الإنسانية. ولا تقتصر تداعيات الأزمة على فقدان المساكن ومصادر الدخل، بل تمتد إلى تراجع الأمن الغذائي، وصعوبة الحصول على المياه والرعاية الصحية والتعليم، وتزايد احتياجات الفئات الأكثر هشاشة، ولا سيما الأطفال والنساء وكبار السن. كما أن استمرار النزوح يفاقم الضغط على الموارد والخدمات في المناطق المستقبلة، ويزيد تعقيد إدارة الحدود وتنسيق الاستجابة الإنسانية. وتشير المعطيات المتاحة إلى أن استمرار العنف مع نقص التمويل قد يؤدي إلى بقاء الأزمة عند مستويات مرتفعة أو اتساعها، في حين يتوقف أي تحسن ملموس على تطور الوضع الأمني، واستمرار وصول المساعدات، واستعادة مصادر العيش، وتوفير الظروف اللازمة للعودة الطوعية والآمنة والمستدامة.
أولا: حجم الأزمة ومؤشرات النزوح
تقترب أعداد الأشخاص الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم في الدول الثلاث من أربعة ملايين شخص وفق التقدير الإقليمي المشار إليه. ويشمل هذا التقدير فئات مختلفة، أبرزها النازحون داخل بلدانهم واللاجئون وطالبو اللجوء الذين عبروا الحدود الدولية. و تُشير أحدث التقديرات والبيانات الصادرة عن المنظمات الدولية مثل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين UNHCR ومنظمة الهجرة الدولية IOM الخاصة بأزمة النزوح واللجوء في دول الساحل الأوسط الثلاث بوركينا فاسو، مالي، والنيجر إلى اتساع رقعة الأزمة لتلامس حاجز 4 ملايين شخص المهجرين قسراً.
فيما يلي تقدير رقمي مفصل وتحليلي لتوزيع هذه الأعداد بناءً على الفئات الثلاث الرئيسية (النازحون داخلياً، اللاجئون بين دول الساحل، وطالبو اللجوء واللاجئون العابرون للحدود الإقليمية):
1/ النازحون داخلياً — الكتلة الأكبر (82% من الإجمالي
يُشكل النازحون داخل حدود أوطانهم بسبب الصراعات والهجمات المسلحة النسبة الأعظم من إجمالي المشردين قسراً في الدول الثلاث، ويُقدر عددهم الكلي بنحو 3,250,000 إلى 3,300,000 شخص، ويتوزعون كما يلي:-
• بوركينا فاسو: 2,050,000 نازح داخلي تُمثل الحصوى الأكبر في الأزمة، حيث تتركز أعداد النازحين في الأقاليم الساحل، الشمال، والشمال الأوسط.
• جمهورية مالي: 380,000 إلى 400,000 نازح داخلي تتركز أعدادهم بشكل رئيسي في إقليم مينكا، غاو، وموبتي، إضافة إلى باماكو.
• جمهورية النيجر: 480,000 إلى 500,000 نازح داخلي تتركز أعدادهم في إقليم تيلابيري، طاهوا، وحوض بحيرة تشاد في ديفا.
2/ اللاجئون العابرون للحدود بين الدول الثلاث – 12% من الإجمالي
تتضمن هذه الفئة المواطنين الذين فروا من أزمات إحدى الدول الثلاث ولجأوا إلى إحدى الدولتين الجارتين ضمن نطاق تحالف دول الساحل، ويُقدر عددهم بنحو 450,000 إلى 480,000 لاجئ و تفاصيلهم على النحو التالي:-
أ- اللاجئون الماليون في النيجر وبوركينا فاسو:-
في النيجريستقر 240,000 لاجئ مالي في مخيمات وقواعد إقليم طاهوا وتيلابيري. و في بوركينا فاسو هنالك 35,000 لاجئ مالي.
ب- اللاجئون البوركينابيون في النيجر:
تحتضن النيجر 50,000 لاجئ بوركينابي في المناطق الحدودية لإقليم تيلابيري. و يتركز الجزء الأكبر من اللاجئين وطالبي اللجوء القادمين من بوركينا فاسو في المناطق الحضرية وشبه الحضرية المتاخمة للحدود، وتحديداً في المناطق التالية:-
• بلدية تيرا: حيث تُعد المحور والمركز الرئيسي والأكبر لاستقبال اللاجئين البوركينابيين في إقليم تيلابيري، حيث يتوزع الآلاف منهم داخل الأحياء الحضرية أو لدى العائلات المضيفة.
• بلدية غوثييه: مركز حدودي رئيسي يستقبل الفارين من الشريط الحدودي البوركينابي المقابل.
• بلدية ماكالوندي : نقطة عبور واستقرار هامة تقع في أقصى الجنوب الغربي لإقليم تيلابيري على الحدود مع بوركينا فاسو.
• بلدية بانكيلاري: منطقة استقبال حدودية شمالية غربية تستقبل الأسر الفارين من مقاطعات الأقاليم الشمالية البوركينابية.
ج- اللاجئون النيجريون في مالي وبوركينا فاسو:
في مالي وبوركينا فاسوهنالك20,000 إلى 25,000 لاجئ نيجري. و يتمركز فيها اللاجئون النيجريون في كل من مالي وبوركينا فاسو في المناطق والأقاليم التالية:-
في مالي إقليم منكا وهي المنطقة الحدودية المحاذية لشمال غرب النيجر قسم أندرامبوكان وتامالات. وكذلك إقليم غاو في قطاعات شرق الإقليم المحاذية لمنطقة تيلابيري النيجريّة متمثلا في قسم أنصونغو والدائري المجاور.
اما في بوركينا فاسومثل إقليم الساحل مثل ولاية يالغا ومحيط مدينة سيبي القريبة من حدود تيلابيري. بالإضافة الى إقليم الشرق متمثلا في ولاية غورما والقرى الحدودية المتاخمة لمقاطعتي ماكالوندي وتيرا النيجريتين.
3/ اللاجئون وطالبو اللجوء إلى دول الجوار الإقليمية 6% من الإجمالي
تضم هذه الفئة أعداد المواطنين من الدول الثلاث الذين اضطروا للعبور خارج نطاق الساحل الأوسط باتجاه دول خليج غينيا مثل شمال ساحل العاج، توغو، بنين، وغانا أو نحو شمال أفريقيا مثل موريتانيا والجزائر، ويُقدر عددهم الإجمالي بنحو 230,000 إلى 250,000 شخص.
اللاجئون البوركينابيون في دول خليج غينيا 120,000 لاجئ حيث يتواجد معظمهم في شمال ساحل العاج، توغو، وغانا. أما اللاجئون الماليون في موريتانيا والجزائريعادل 110,000 لاجئ يتمركز الكتلة الأكبر منهم في مخيم “مبرة” بشرق موريتانيا. والعبء الأكبر تُشكل بوركينا فاسو أكثر من 55% من الكتلة الإجمالية للمهجرين قسراً في منطقة الساحل، تليها النيجر ثم مالي مما ذادت الضغوط على المجتمعات المضيفة حيث يتركز نحو 70% من النازحين واللاجئين في مناطق ريفية ونقاط هشة تعاني أصلاً من شح الموارد المائية، انعدام الأمن الغذائي، وضغط على الخدمات الصحية والتعليمية. و يُضاف إلى هذا التقدير الإقليمي أكثر من 300,000 لاجئ أجنبي تُستضيفهم دولة النيجر تحديداً من دول خارج الساحل مثل اللاجئين النيجيريين الفارين من “بوكو حرام” في ولاية بورنو، واللاجئين السودانيين والقادمين عبر ليبيا.
ثانيا: مناطق النزوح واتجاهات اللجوء
تتوزع حركة النزوح في منطقة الساحل بين الانتقال من المناطق المتضررة إلى مناطق أكثر أمانًا داخل الدولة الواحدة، والعبور إلى دول مجاورة طلبًا للحماية. وتتأثر هذه الحركة بتطورات الوضع الأمني، وتوافر الخدمات، والروابط الاجتماعية، والقدرة على الوصول إلى مصادر الدخل.
ففي بوركينا فاسو، يرتبط النزوح باستمرار التهديدات الأمنية في المناطق المتضررة، حيث تتجه بعض الأسر إلى مناطق داخلية أكثر أمانًا، بينما تعبر أسر أخرى الحدود إلى الدول المجاورة. وتبرز استضافة مالي للاجئين القادمين من بوركينا فاسو مثالًا على الطابع الإقليمي للأزمة؛ فقد استضافت منطقة كورو، في إقليم باندياجارا المالي، نحو 86 ألف لاجئ بوركيني حتى يوليو 2026 وفق البيانات المشار إليها.
أما مالي، تتداخل حركة النزوح الداخلي مع استقبال اللاجئين من الدول المجاورة. ويؤدي تركز أعداد كبيرة من الوافدين في مناطق محددة إلى زيادة الطلب على المياه والغذاء والرعاية الصحية والمأوى، وقد يفاقم التنافس على الموارد المحدودة، خصوصًا في المجتمعات التي تعاني أصلًا من ضعف الخدمات. و تليها النيجر، التي تستدعي الأعداد المسجلة من اللاجئين والنازحين تحديثًا مستمرًا للخرائط الجغرافية التي تحدد مواقع الاستضافة وتوزيع الاحتياجات. ومن المهم التمييز بين المناطق التي تستقبل النازحين بصورة مؤقتة، والمناطق التي تشهد استقرارًا نسبيًا للأسر الوافدة، والمناطق التي قد تتعرض لتدفقات جديدة نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية. ولا تسمح الأرقام الإجمالية وحدها بتحديد مواقع النزوح الحالية بدقة؛ لذلك ينبغي إرفاق التقرير النهائي ببيانات جغرافية حديثة من المفوضية والسلطات الوطنية والمنظمات الإنسانية العاملة في الميدان.
ثالثا: الأوضاع الإنسانية والصحية بين نيران الصراع وضغوط الاستضافة
لم يعد النزوح واللجوء في منطقة الساحل الإفريقي مجرد أرقام تُدرج في التقارير الإحصائية للمنظمات الدولية؛ بل أصبح واقعاً معيشياً مريراً يعيد تشكيل الجغرافيا السكانية والاجتماعية في المنطقة. فآثار الشتات القسري تتجاوز بمراحل المفهوم المباشر لفقدان المأوى والحرمان من السكن، لتنسج مأساة مركبة تتداخل فيها الضغوط الاقتصادية بالأزمات الصحية والاجتماعية.
تآكل سبل العيش وحلقة الفقر المفرغة:-
تبدأ الحكاية الإنسانية للنازحين من لحظة اقتلاعهم من بيئاتهم الأصلية، حيث يترتب على ذلك فقدان أراضيهم الزراعية ونفوق ماشيتهم—التي تشكل عصب الاقتصاد الرعوي والتنقل في الساحل—فضلاً عن تعطل حركة الأسواق المحلية وشلل وسائط النقل. ومع طوال أمد الأزمة واستطالة أمد البقاء بعيداً عن الديار، تستنزف الأسر المهجرة آخر ما تملكه من مدخرات وأصول، لتقع في فخ الاعتماد الكلي على المساعدات الإغاثية الطارئة، وسط ارتفاع متزايد لمعدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي الحاد. ولا تقف المصائب عند هذا الحد، بل تشتد حدتها عندما تتقاطع ويلاتها مع الصدمات المناخية القاسية كجفاف المواسم وتذبذب الأمطار أو الفيضانات الجارفة التي تجتاح مناطق الإيواء مؤخراً.
إجهاد البنية التحتية وتهديد السلامة الصحية:-
تتجلى المأساة ميدانياً في تدفق موجات بشرية هائلة ونزوحها الفجائي نحو بلدات ومجتمعات محلية شحيحة الموارد أصلاً. هذا الضغط الديموغرافي المفاجئ يُلقي بعبء ثقيل على شبكات مياه الشرب ومرافق الصرف الصحي الإصحاحية؛ ومع القصور الطبيعي في قدرة هذه المرافق الضعيفة عن مواكبة الطلب المضاعف، تتسع الفجوة البيئية لترتفع معها مخاطر تفشي الأمراض السارية والمعدية المرتبطة بالمياه والبيئة المعيشية المتردية. وفي السياق ذاته، يجد النازحون واللاجئون أنفسهم أمام جدار عازل يحول بينهم وبين الرعاية الصحية الأساسية؛ حيث تعاني المراكز الطبية في المناطق الحدودية من شح الأدوية والمستلزمات، وغياب خدمات الأمومة والطفولة وبرامج التطعيم والتغذية العلاجية. وتبدو هذه التداعيات أكثر إيلاماً لدى الفئات الأكثر هشاشة وتضرراً؛ كالطفولة الحائرة، والأمهات الحوامل، وكبار السن، وذوي الإعاقة الذين يفتقرون للحد الأدنى من الرعاية الخاصة.
انكسار المستقبل وتهديد السلم المجتمعي:-
ولعل الأثر الأشد عمقاً وخطورة يتمثل في المسار التعليمي والاجتماعي للجيل الجديد. فالنزوح المتكرر والهروب المتواصل يؤديان بالضرورة إلى انقطاع الأطفال عن مقاعد الدراسة وانحسار فرص انتظامهم في التعليم، مما يفتح الأبواب واسعة أمام مخاطر الاستغلال، والتجنيد القسري، والعنف القائم على النوع الاجتماعي، فضلاً عن ظاهرة الانفصال الأسري. وهي ظواهر معقدة تستدعي وجود آليات حماية ميدانية وسريعة الوصول تتكامل فيها الجهود الإنسانية لتوفير مظلة أمان حقيقية للنساء والأطفال.
المجتمعات المضيفة: الشريك المنسي تحت الضغط:-
أخيراً، تخبرنا المطالعة الميدانية للواقع أن هذه الأزمة لا تخنق الوافدين الجدد وحدهم، بل تمتد أوزارها لتستنزف المجتمعات المضيفة نفسها. فهذه المجتمعات—التي فتحت أبوابها ومنازلها بدافع التضامن القبلي والإنساني—أضحت تتحمل أعباءً فوق طاقتها الاستيعابية من خلال المشاركة الإجبارية في الخدمات الصحية، والمقاعد الدراسية، ومصادر المياه الشحيحة، وفرص العمل الضيقة.
إن العبرة الأهم في قراءة المشهد الإنساني الراهن في الساحل تتلخص في أن أية استجابة إغاثية تقتصر على تقديم الطرود الغذائية للنازحين وتتجاهل دعم البنية التحتية للمجتمعات المضيفة لن تكون إلا حلاً مؤقتاً؛ فالاستجابة الأكثر استدامة ونجاعة هي التي تبني مقاربة تنموية مزدوجة تحفظ كرامة النازح وتدعم صمود المجتمع المضيف، ضماناً للتلاحم المجتمعي واستقرار المنطقة على المدى الطويل.
رابعاً: التمويل الإنساني وأثره في الاستجابة
يمثل نقص التمويل أحد العوامل التي تحد من قدرة المنظمات الإنسانية على تلبية الاحتياجات المتزايدة. ووفق البيانات المشار إليها، لم تتجاوز نسبة تمويل الاستجابة التي أشارت إليها المفوضية في منطقة الساحل 27% من الاحتياجات المطلوبة حتى سبتمبر 2026، من أصل احتياجات مقدرة بنحو 329.6 مليون دولار. ويؤثر نقص التمويل في القدرة على توفير المأوى والمساعدات الأساسية، وتوسيع خدمات الحماية، وتحسين الوصول إلى الرعاية الصحية والمياه، ودعم سبل العيش. كما قد يؤدي إلى إعطاء الأولوية للاحتياجات الأكثر إلحاحًا على حساب البرامج طويلة الأمد التي تساعد الأسر على استعادة استقلالها الاقتصادي. وتبرز الحاجة إلى تمويل أكثر استقرارًا وتنسيقًا، وإلى توجيه المساعدات وفق تقييمات ميدانية حديثة تراعي التفاوت بين الدول والمناطق والفئات المتضررة.
خامسًا: الضحايا المدنيون والخسائر البشرية
تُعد حماية المدنيين المحكّ الأبرز للأزمة الإنسانية في دول الساحل الأوسط (مالي، بوركينا فاسو، والنيجر)، حيث لا تقتصر تداعيات النزاعات المسلحة على القتل والإصابة والنزوح القسري فحسب، بل تمتد لتمنع السكان من الوصول إلى الغذاء والخدمات الأساسية وتعرضهم لمخاطر مضاعفة أثناء الفرار. وبما أن إحصاءات الضحايا المدنيين تتباين من حيث رصد صفة النزوح وتختلف آليات توثيقها، فإن قراءة الخسائر البشرية تتطلب الفصل التام بين الضحايا الناجمين عن أعمال العنف المباشر، والوفيات غير المباشرة الناتجة عن تداعيات الأزمات الإنسانية والصحية ويمكن تبيانه على الاتي:-
1/ الخسائر الناتجة عن أعمال العنف المباشر 2020 – 2026
وفقاً لبيانات الحكومية و المنظمات، تتوزع الخسائر البشرية بين المدنيين في الدول الثلاث كالتالي:
أ- بوركينا فاسو: تسجل النسبة الأعلى في الخسائر المدنية بالمنطقة، بنحو 15,000 إلى 20,000 قتيل نتيجة الهجمات المباشرة على القرى والمقاطعات المحاصرة.
ب- جمهورية مالي: يُقدر إجمالي الضحايا المدنيين الموثقين بنحو 8,000 إلى 10,000 قتيل، يتركز معظمهم في أقاليم الوسط (موبتي وباندياغارا) والشمال والشرق (منكا وغاو).
ج- جمهورية النيجر: تسجل الحصيلة الأقل مقارنة بجارتيها، بنحو 3,000 إلى 4,000 قتيل، يتركزون أساساً في الشريط الحدودي لإقليم تيلابيري منطقة الحدود الثلاثية وشريط ديفا بحوض بحيرة تشاد.
2/ الخسائر غير المباشرة (الوفيات المرتبطة بالظروف الإنسانية والصحية)
تشير تقديرات منظمات الأمم المتحدة WHO وUNICEF عبر مكاتبها في الساحل إلى أن معدلات الوفيات غير المباشرة بين الفئات المهجرة تفوق بأضعاف ضحايا المواجهات المباشرة، وتتجلى أبرز مؤشراتها في:
1. وفيات الأطفال وسوء التغذية: تسجيل آلاف الوفيات سنوياً بين الأطفال دون سن الخامسة في مخيمات ومناطق نزوح الساحل، نتيجة تفشي “سوء التغذية الحاد الوخيم” ، والملاريا، والإسهالات المائية الحادة.
2. وفيات الأمهات: ارتفاع نسب الوفيات أثناء الولادة في مناطق النزوح بنسب تتراوح بين 20% إلى 30%، وذلك بسبب انعدام المرافق الصحية المؤهلة وصعوبة النقل الإسعافي الطارئ في البيئات الهشة.
سادسا: التداعيات الأمنية والإقليمية
تؤثر أزمة النزوح في البيئة الأمنية والاجتماعية للدول الثلاث من خلال عدة مسارات. أولها زيادة الأعباء الواقعة على السلطات المحلية في المناطق المستقبلة، وثانيها الحاجة إلى تنسيق مستمر بين الجهات الإنسانية والأمنية، وثالثها احتمال استمرار حركة السكان عبر الحدود عندما تتدهور الأوضاع في مناطقهم الأصلية. وقد يؤدي استمرار النزوح إلى تعقيد إدارة الموارد والخدمات في المناطق الهشة، في حين قد تضعف محدودية التمويل القدرة على توفير الحماية والمساعدة في الوقت المناسب. غير أن وجود اللاجئين أو النازحين لا يُعد في حد ذاته مؤشرًا على تهديد أمني، ولا ينبغي الخلط بين حركة السكان المدنيين وتحركات الجماعات المسلحة. ويظل التعامل مع الأزمة مرتبطًا بحماية المدنيين، وضمان الوصول الإنساني، وتعزيز التعاون بين الدول والمنظمات المختصة، ومعالجة الظروف التي تدفع السكان إلى الفرار.
سابعًا: السيناريوهات المتوقعة
السيناريو الأول: استمرار الأزمة عند مستويات مرتفعة
في حال استمرار العنف وبقاء التمويل الإنساني دون المستوى المطلوب، يُرجح استمرار الاحتياجات الإنسانية الكبيرة، مع صعوبة عودة كثير من الأسر إلى مناطقها الأصلية. وقد تتزايد الضغوط على المجتمعات المضيفة، وتستمر معاناة الأسر التي فقدت مصادر دخلها أو أصولها.
السيناريو الثاني: اتساع نطاق النزوح
إذا تدهورت الأوضاع الأمنية في مناطق إضافية أو تكررت الهجمات التي تستهدف المدنيين، فقد تتسع حركة النزوح الداخلي وتزداد تدفقات اللجوء عبر الحدود. ومن شأن ذلك زيادة الطلب على المأوى والغذاء والخدمات الصحية، ورفع الأعباء اللوجستية والمالية على الجهات المستجيبة. ويظل تحقق هذا السيناريو مرتبطًا بتطورات ميدانية لا يمكن الجزم بها مسبقًا، ولذلك ينبغي متابعة مؤشرات النزوح الجديدة والحوادث الأمنية وحركة السكان.
السيناريو الثالث: تحسن نسبي في الاستقرار والاستجابة الإنسانية
قد يؤدي تحسن الوضع الأمني في بعض المناطق، بالتزامن مع زيادة التمويل وتوسيع الخدمات وفرص كسب العيش، إلى تراجع بعض دوافع النزوح وتهيئة الظروف لعودة طوعية لبعض الأسر. لكن هذا المسار يتطلب ضمانات أمنية فعلية، وإمكانية الوصول إلى المساكن والأراضي والخدمات، واستعادة مصادر الدخل. ولا يكفي انخفاض عدد الحوادث الأمنية وحده لإثبات أن العودة أصبحت آمنة أو مستدامة.
ثامنا: التحدي الإنساني الإقليمي:-
تُظهر أزمة اللاجئين والنازحين في بوركينا فاسو ومالي والنيجر أن منطقة الساحل تواجه تحديًا إنسانيًا إقليميًا يتجاوز حدود كل دولة على حدة. فاستمرار العنف والصدمات المناخية ونقص التمويل يفاقم هشاشة السكان، ويزيد الضغط على المجتمعات المضيفة، ويحد من قدرة الجهات الإنسانية على تلبية الاحتياجات الأساسية. وتتمثل الأولوية في حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات إلى المناطق المتضررة، وتعزيز الخدمات الصحية والغذائية، وتوفير دعم مستدام للمجتمعات المضيفة، إلى جانب تهيئة الظروف اللازمة لعودة طوعية وآمنة عند توافر شروطها. وفي ضوء المعطيات المتاحة، يبقى استمرار الاحتياجات الإنسانية المرتفعة احتمالًا قائمًا ما دامت أسباب النزوح قائمة ولم تتحسن قدرة الاستجابة على نحو ملموس. إلا أن تقدير حجم النزوح المستقبلي وعدد الضحايا المحتملين يتطلب متابعة دورية للبيانات الميدانية، ولا يمكن حسمه استنادًا إلى الأرقام الإجمالية وحدها.
تحرير:حسن يوسف زرما مراسل براون لان بغرب افريقيا
