في مشهد يعكس حالة التصدع التي تتعرض لها الميليشيا الأكثر إثارة للجدل في السودان، تكشف مصادر ميدانية وقيادية عن أزمة شرعية وصراع هوية يهدد كيان “قوات الدعم السريع” من الداخل. لم تعد التحديات التي تواجه ميليشيا محمد حمدان دقلو “حميدتي” مقتصرة على الجبهات العسكرية والهزائم التي تتلقاها، بل تجاوزتها إلى صراع وجودي يتمثل في انشقاقات قيادية كبرى، وخلافات حادة بين القيادة العسكرية ممثلة في نائب القائد عبد الرحيم دقلو والجنود الميدانيين، وتصاعد حدة النزعات القبلية التي تهدد بتمزيق النسيج الهش للتحالف. ففي الوقت الذي يحاول فيه “حميدتي” و”تأسيس” بناء مشروع سياسي موازٍ، تتسع شقوق التمرد داخل صفوفه، وتعلو أصوات الاتهام بالتواطؤ والخيانة، وسط عمليات إجلاء لعائلات القيادات ونقلها من ولاية إلى أخرى، في مؤشر خطير على توقع الأسوأ. هذا التقرير يسلط الضوء على أبعاد هذه الخلافات التي تعصف بالمليشيا، مستنداً إلى معلومات موثقة ومصادر ميدانية، ويكشف عن صورة الصراع الذي قد يغير مجرى الحرب في السودان.
“النور القبة ” و”السافنا” .. انشقاقات تضرب المشروع السياسي والعسكري معاً
شهدت الأشهر الأخيرة موجة غير مسبوقة من الانشقاقات التي طالت كبار القيادات، وتنوعت بين الميدانيين العسكريين والوجوه السياسية، مما أثار تساؤلات حول مدى تماسك القوات. يُعد انشقاق فارس النور، أحد أبرز الوجوه المدنية في تحالف “تأسيس” والمستشار السياسي السابق لحميدتي، بمثابة “ضربة قوية للمشروع السياسي” برمته. فقد كان النور، الذي عُين حاكماً لولاية الخرطوم من قبل الحكومة الموازية في نيالا، رمزاً لمحاولة الميليشيا إضفاء شرعية سياسية على وجودها. لكن استقالته في منتصف يونيو الماضي جاءت لتؤكد أن المشهد “تحول من البحث عن الاستقرار إلى استهداف السودان ووحدته وسيادته” .
هذا الانشقاق، الذي وصفه مراقبون بأنه نكسة كبرى، لم يكن معزولاً، بل جاء في سياق انشقاقات عسكرية متلاحقة. فقبله بأسابيع، أعلن القائد الميداني البارز النور آدم “القبة”، وهو أحد مؤسسي الميليشيا وقادتها المخضرمين، انسحابه من “الدعم السريع” وانضمامه إلى الجيش السوداني . وتبعه علي عبد الله رزق الله المعروف بـ “السافنا”، في خطوة عززت شعور القيادة بالخطر. كما انشق بشارة الهويرة، قائد محور بارا في كردفان، مما يدل على أن حالة التمرد لم تعد مقتصرة على جبهة دون أخرى، بل هي وباء ينتشر في جسد الميليشيا .
ويعلق الكاتب والمحلل السياسي عثمان ميرغني على هذه التطورات قائلاً: “انشقاق أول سياسي من التحالف يوجه ضربة قوية له، ويؤكد أن مشروعه ‘تأسيس’ يحمل حتفه في بذرته” . فالانشقاقات العسكرية تؤثر في القدرة القتالية، بينما تضرب السياسية “رأس المشروع السياسي الذي تحاول قوات الدعم السريع الصعود به إلى منصة الشرعية” .
خلافات “حميدتي” و “عبد الرحيم”: صراع على القيادة واتهامات بعدم الكفاءة
إلى جانب الانشقاقات العلنية، تختمر في الكواليس خلافات حادة بين قيادة الميليشيا والجنود الميدانيين، تتركز حول أسلوب الإدارة والولاءات القبلية. تشير مصادر مطلعة إلى حالة من السخط الواسع إزاء أداء القيادة الثانية عبد الرحيم دقلو، حيث يراه عدد من الضباط والجنود “غير مؤهل لقيادة المعارك”، مما أدى إلى حالة من التململ رصدتها مصادر محلية في ولاية جنوب دارفور .
حاول عبد الرحيم دقلو، في محاولة يائسة لكبح جماح التمرد، تشديد الخناق عبر إصدار أوامر بتطبيق “المحاكمات الميدانية الفورية” لكل من يثير النزعات القبلية، ولكل من يقود التململ الذي زاد خلال الفترة الماضية . لكن هذه السياسة القمعية قوبلت بامتعاض كبير من القيادات الميدانية التي أبدت استياءها من تولية “ضباط صغار” من قبيلة الماهرية مناصب قيادية على حسابهم، متهمين القيادة بمحاباة أبناء عشيرتها على حساب الأجسام القبلية الأخرى التي تشكل القوة الأساسية للميليشيا .
هذا التذمر وصل إلى مسامع “حميدتي” نفسه، الذي أبدى تخوفه لمقربين من تزايد حدة الانشقاقات بسبب حالة التفضيل تلك . ويبدو أن الصراع بين الأخوين دقلو حول إدارة الأزمة يزداد تعقيداً، خاصة مع اتهامات البعض لعبد الرحيم بأنه السبب في تردي الأوضاع، بينما يحاول “حميدتي” احتواء الغضب القبلي المتصاعد ضد سياسات أخيه.
خلاف “حميدتي” مع حجر وإدريس: اتهامات بالتواطؤ وإقصاء من العمليات
في تطور خطير آخر، كشفت مصادر مطلعة عن أزمة ثقة حادة بين “حميدتي” وقادة حركات مسلحة حليفة، وعلى رأسهم الطاهر حجر و الهادي إدريس، حيث اتهم “حميدتي” قواتهما بـ “التواطؤ” والمسؤولية عن الهزائم الأخيرة التي تكبدتها الميليشيا في محور الطينة الغربي . هذه الاتهامات ليست جديدة، إذ سبق أن وُضعت قادة وعناصر من الحركتين ضمن قوائم داخلية للمشتبه بهم، بتهمة التواصل مع الجيش السوداني، مما يعكس حالة متزايدة من انعدام الثقة داخل التشكيلات المتحالفة مع الدعم السريع .
وتفاقمت الأزمة لدرجة أن قيادات ميدانية داخل “الدعم السريع” طالبت “حميدتي” بإبعاد “حجر وإدريس” من العمليات العسكرية بشكل نهائي، معتبرين أن مشاركتهما باتت تشكل خطراً على الخطط القتالية . في المقابل، تشهد مناطق نفوذ هذه القوات حملات اعتقال واسعة، حيث تتحدث مصادر عن مقتل عدد من الضباط والجنود المنتمين للماهرية في مدينة الضعين، وسط اتهامات متبادلة بالخيانة، وربط أبناء المسيرية بالتواصل مع الجيش السوداني .
هذا التصدع في التحالف مع حركات الكفاح المسلح يهدد بتقويض استراتيجية “الدعم السريع” التي كانت تعتمد على تنويع مصادر القوة البشرية، وتحويلها إلى عبء إضافي.
الصراع القبلي: الماهرية ضد المسيرية وأزمة الامتيازات والعلاج
يبدو أن جوهر الأزمة يكمن في الصراع القبلي العميق بين قبيلتي الماهرية والمسيرية، وكلاهما من أصول عربية. يشير تقرير “براون لاند” إلى أن حالة التفضيل التي تتمتع بها عناصر الماهرية، قبيلة “حميدتي”، على حساب المسيرية، أصبحت تشعل جبهة جديدة من الصراع داخل الميليشيا. فالمصادر تؤكد أن جنود الماهرية يتمتعون بامتيازات عسكرية واضحة، بل وحتى في مجال الرعاية الصحية، حيث يتلقون العلاج في دولة الإمارات العربية المتحدة، في وقت يعاني فيه بقية الجنود من الإهمال الطبي الميداني .
أدت هذه الممارسات إلى اتهامات متبادلة بالخيانة وتكفير الولاءات، في مشهد يعيد إنتاج الصراعات القبلية التي كانت تغذي حرب دارفور قبل عقدين. وتؤكد المصادر أن استمرار هذه السياسية سيؤدي إلى انفجار وشيك، خاصة مع شعور أبناء المسيرية (الذين يشكلون جزءاً كبيراً من القوة الضاربة للميليشيا) بأنهم “غُبنوا” وتم تهميشهم لصالح “أبناء العم” من الماهرية .
إجلاء القيادات: مؤشر على انهيار وشيك؟
في واحد من أكثر المؤشرات دراماتيكية على حالة التصدع، كشفت مصادر حصرية عن أنباء عن إجلاء 23 أسرة تابعة لقيادات بارزة في قوات الدعم السريع من مدينة الجنينة عاصمة غرب دارفور، ونقلهم إلى مدينة زالنجي، فيما اتجهت بعض الأسر الأخرى نحو نيالا .
تزامنت هذه الخطوة مع تقارير ميدانية تؤكد تزايد حدة الخلافات التنظيمية والقبلية في جنوب دارفور، مما يشير إلى أن القيادة باتت تخشى على سلامة عائلات قادتها من أي تمرد أو هجمات انتقامية محتملة نتيجة التوترات الميدانية. هذا الإجلاء المنظم، الذي يشبه عمليات “حماية الأصول”، يعد اعترافاً ضمنياً من القيادة بحالة الفوضى وعدم الأمان التي بدأت تكتسح مناطق كانت تعتبر معاقل آمنة للميليشيا، كما يعكس خوف القادة من أن تطالهم موجة الغضب القبلي التي أطلقوا هم عيارها الأول.
الخلاصة: كيان ينهار من الداخل
إن ما تمر به مليشيا الدعم السريع اليوم ليس مجرد خلافات عابرة، بل هو أزمة بنيوية تهدد وجودها. فالصراع بين “حميدتي” و “عبد الرحيم” حول القيادة، واتهامات “حجر وإدريس” بالتواطؤ، وتمرد “القبة والسافنا”، وتهميش المسيرية لصالح الماهرية، كلها خيوط في نسيج واحد من التفكك. الانهيار لم يعد مجرد توقع، بل أصبح حقيقة ملموسة، خاصة مع انشقاق الوجوه السياسية مثل فارس النور التي كانت تمثل الغطاء السياسي للمشروع العسكري.
في النهاية، تبدو “قوات الدعم السريع” وكأنها تعيش أيامها الأخيرة ككيان متماسك، تلتهمها خلافاتها الداخلية قبل أن يلتهمها الجيش السوداني في الميدان. ومع استمرار سياسة المحاباة والاتهامات، فإن التحذيرات التي أطلقها قادة ميدانيون حول أن النار ستأكل الأخضر واليابس تبدو أقرب للتحقق كل يوم.
اجعل العنوان قوي احذف كلمة المقدمة هل يمكنك التوسع قليلاً؟
انهيار الدعامات من الداخل: كيف تلتهم الخلافات القبلية والصراعات القيادية “قوات الدعم السريع” قبل أن يلتهمها الجيش؟
تقرير خاص من مراسل “براون لاند” – يوليو 2026
في مشهد يعكس حالة التصدع العميق التي تتعرض لها الميليشيا الأكثر إثارة للجدل في السودان، تكشف مصادر ميدانية وقيادية رفيعة المستوى عن أزمة شرعية وصراع هوية يهدد كيان “قوات الدعم السريع” من الداخل، في وقت تتصاعد فيه وتيرة العمليات العسكرية للجيش السوداني على عدة جبهات. لم تعد التحديات التي تواجه ميليشيا محمد حمدان دقلو “حميدتي” مقتصرة على الهزائم الميدانية التي تتلقاها في محاور القتال، بل تجاوزتها إلى صراع وجودي يتمثل في انشقاقات قيادية كبرى تطال كبار القادة العسكريين والسياسيين، وخلافات حادة بين نائب القائد عبد الرحيم دقلو والجنود الميدانيين الذين يرون فيه قائداً غير مؤهل، وتصاعد حدة النزعات القبلية بين “الماهرية” و”المسيرية” التي تهدد بتمزيق النسيج الهش للتحالف القبلي الذي قامت عليه الميليشيا.
ففي الوقت الذي يحاول فيه “حميدتي” وكتائبه بناء مشروع سياسي موازٍ تحت مسمى “تأسيس” للحصول على شرعية دولية وإقليمية، تتسع شقوق التمرد داخل صفوفه، وتعلو أصوات الاتهام بالتواطؤ والخيانة بين القادة أنفسهم، وسط عمليات إجلاء منظمة لعائلات القيادات الكبرى ونقلها من ولاية إلى أخرى، في مؤشر خطير على توقع الأسوأ وربما انهيار وشيك للكيان برمته. هذا التقرير الموسع يسلط الضوء بأبعاده المختلفة على جذور وتفاصيل هذه الخلافات التي تعصف بالمليشيا، مستنداً إلى معلومات موثقة ومصادر ميدانية حصرية، ويكشف عن صورة الصراع الدامي الذي قد يغير مجرى الحرب في السودان بشكل جذري.
الانشقاقات الكبرى: “النور” و”القبة” و”السافنا” و”الهويرة” .. نزيف القيادات يضرب المشروع العسكري والسياسي معاً
شهدت الأشهر الأخيرة موجة غير مسبوقة من الانشقاقات التي طالت كبار القيادات، وتنوعت بين الميدانيين العسكريين المخضرمين والوجوه السياسية البارزة، مما أثار تساؤلات جادة حول مدى تماسك القوات وقدرة قيادتها على احتواء الأزمة. يُعد انشقاق فارس النور، أحد أبرز الوجوه المدنية في تحالف “تأسيس” والمستشار السياسي السابق لحميدتي، بمثابة “زلزال سياسي” وضربة قاصمة للمشروع السياسي برمته. فقد كان النور، الذي عُين حاكماً لولاية الخرطوم من قبل الحكومة الموازية في نيالا، رمزاً لمحاولة الميليشيا إضفاء شرعية سياسية على وجودها العسكري في العاصمة والولايات. لكن استقالته العلنية في منتصف يونيو الماضي جاءت لتؤكد أن المشهد “تحول من البحث عن الاستقرار إلى استهداف السودان ووحدته وسيادته” وفق تعبيره، مما شكل صدمة كبيرة داخل أروقة القيادة في نيالا.
هذا الانشقاق، الذي وصفه مراقبون وكتاب سياسيون بأنه نكسة كبرى و”بداية النهاية للغطاء السياسي للميليشيا”، لم يكن معزولاً أو طارئاً، بل جاء في سياق انشقاقات عسكرية متلاحقة ومتراكمة. فقبله بأسابيع قليلة، أعلن القائد الميداني البارز النور آدم “القبة”، وهو أحد مؤسسي الميليشيا الأولين وقادتها المخضرمين الذين شاركوا في تأسيسها منذ أيامها الأولى كـ”قوات الجنجويد” في دارفور، انسحابه الرسمي من “الدعم السريع” وإعلان انضمامه إلى القوات المسلحة السودانية، في خطوة اعتبرت خيانة كبرى من وجهة نظر قيادة الميليشيا، لكنها في واقع الأمر تعكس مدى التصدع الذي تعانيه.
ولم يتوقف الأمر عند “القبة”، بل تبعه مباشرة علي عبد الله رزق الله المعروف بـ “السافنا”، قائد محور استراتيجي آخر، في خطوة عززت شعور القيادة بالخطر الوجودي المحدق بها. كما انشق بشارة الهويرة، قائد محور بارا في ولاية شمال كردفان، مما يدل على أن حالة التمرد والانشقاق لم تعد مقتصرة على جبهة دارفور دون غيرها، بل هي وباء ينتشر في جسد الميليشيا بالكامل، من الخرطوم إلى كردفان إلى دارفور. وتشير المصادر إلى أن هذه الانشقاقات لم تأت اعتباطاً، بل جاءت نتيجة تراكمات من التهميش القبلي، وسوء الإدارة الميدانية، والهزائم المتتالية، وعدم وضوح الرؤية السياسية.
ويعلق الكاتب والمحلل السياسي عثمان ميرغني على هذه التطورات قائلاً: “انشقاق أول سياسي من التحالف يوجه ضربة قوية له، ويؤكد أن مشروعه ‘تأسيس’ يحمل حتفه في بذرته. فالانشقاقات العسكرية تؤثر في القدرة القتالية بشكل مباشر، بينما تضرب السياسية رأس المشروع السياسي الذي تحاول قوات الدعم السريع الصعود به إلى منصة الشرعية الدولية والإقليمية، وهذا يعني أن الميليشيا تخسر المعركة على جبهتين في وقت واحد”. وتؤكد مصادر مطلعة أن هناك المزيد من القيادات الوسطى والكبار على وشك الإعلان عن انشقاقاتها، خاصة مع تصاعد حملات الاعتقالات داخل الميليشيا والشعور بانعدام الأمان.
خلافات القيادة العليا: حميدتي وعبد الرحيم .. صراع الإخوة على السلطة واتهامات بعدم الكفاءة القتالية
إلى جانب الانشقاقات العلنية التي هزت الكيان، تختمر في الكواليس خلافات حادة وموجعة بين جناحي القيادة العليا للميليشيا، وتتركز حول أسلوب إدارة المعارك والولاءات القبلية والصراع على النفوذ. تشير مصادر مطلعة ورفيعة المستوى إلى حالة من السخط الواسع وغير المسبوق إزاء أداء القيادة الثانية عبد الرحيم دقلو، شقيق حميدتي ونائبه في قيادة العمليات العسكرية، حيث يراه عدد كبير من الضباط والجنود الميدانيين “غير مؤهل لقيادة المعارك” و”يفتقر إلى الخبرة العسكرية الكافية”، مما أدى إلى حالة من التململ والعصيان المدني رصدتها مصادر محلية في ولاية جنوب دارفور وفي خطوط المواجهة الأمامية.
وتكشف المصادر أن الجنود الميدانيين يتهمون عبد الرحيم دقلو بـ”التباهي بالسلطة” و”اتخاذ قرارات مصيرية دون استشارة القادة الميدانيين المخضرمين”، مما تسبب في خسائر بشرية ومادية فادحة في صفوف الميليشيا خلال الأشهر الماضية. ويذهب بعض القادة الميدانيين إلى أبعد من ذلك، متهمين إياه بأنه “السبب الرئيسي في تردي الأوضاع العسكرية” و”فقدان المبادرة الاستراتيجية” لصالح الجيش السوداني، خاصة بعد الهزائم الكبيرة التي تكبدتها الميليشيا في محوري أم درمان والخرطوم بحري، وفي إقليم دارفور نفسه.
حاول عبد الرحيم دقلو، في محاولة يائسة لكبح جماح التمرد والانشقاقات المتصاعدة، تشديد الخناق على القوات عبر إصدار أوامر عسكرية صارمة بتطبيق “المحاكمات الميدانية الفورية” و”الإعدامات الميدانية” لكل من يثير النزعات القبلية، ولكل من يقود التململ أو يحرض على العصيان، والذي زاد بشكل ملحوظ خلال الفترة الماضية وفق تقديرات القيادة. لكن هذه السياسة القمعية والعقابية قوبلت بامتعاض كبير من القيادات الميدانية والضباط الذين أبدوا استياءهم العلني والضمني من تولية “ضباط صغار” من قبيلة الماهرية مناصب قيادية حساسة على حساب قادة مخضرمين من قبائل أخرى، متهمين القيادة بمحاباة أبناء عشيرتها على حساب الأجسام القبلية الأخرى التي تشكل القوة الأساسية للميليشيا في الميدان.
هذا التذمر والغضب المكبوت وصل إلى مسامع “حميدتي” نفسه، الذي أبدى تخوفه لمقربين منه من تزايد حدة الانشقاقات التي تضرب الدعم السريع بسبب حالة التفضيل المفرطة لمن ينتمي للماهرية على الأجسام القبلية الأخرى، معرباً عن قلقه من أن يؤدي هذا الوضع إلى “انفجار داخلي” يدمر كل ما بناه خلال سنوات. ويبدو أن الصراع بين الأخوين دقلو حول إدارة الأزمة ومواجهة الانتقادات يزداد تعقيداً وتشابكاً، خاصة مع اتهامات البعض لعبد الرحيم بأنه السبب الرئيسي في تردي الأوضاع وانحسار النفوذ، بينما يحاول “حميدتي” من جهته احتواء الغضب القبلي المتصاعد ضد سياسات أخيه، في معادلة صعبة قد تنتهي بتفجير الخلاف بين الرجلين نفسهما، خاصة مع تزايد الأصوات التي تطالب بـ”إبعاد عبد الرحيم عن القيادة الميدانية” كشرط لاستعادة التماسك.
صراع الحركات المتحالفة: حميدتي يتهم “الطاهر حجر” و”الهادي إدريس” بالتواطؤ والخيانة
في تطور خطير ومثير آخر يكشف عن حجم التصدع في التحالفات، كشفت مصادر مطلعة وموثوقة عن أزمة ثقة حادة وشاملة بين “حميدتي” وقادة حركات مسلحة حليفة له، وعلى رأسهم الطاهر حجر رئيس حركة تحرير السودان – المجلس الانتقالي، و الهادي إدريس رئيس حركة تحرير السودان – قيادة الثوار، حيث اتهم “حميدتي” قواتهما بشكل صريح وعلني بـ”التواطؤ” و”الخيانة” والمسؤولية المباشرة عن الهزائم الأخيرة التي تكبدتها الميليشيا في محور الطينة الغربي الاستراتيجي، والذي يعتبر بوابة رئيسية لدخول إقليم دارفور من الغرب.
وتؤكد المصادر أن “حميدتي” اتهم “الطاهر حجر” و”الهادي إدريس” بالتخابر مع أطراف خارجية وبتقديم معلومات استخباراتية للجيش السوداني وقوات التحالف، مما أدى إلى تكبيد الميليشيا خسائر فادحة في الأرواح والمعدات في محور الطينة. هذه الاتهامات الخطيرة ليست جديدة أو مفاجئة، إذ سبق أن وُضعت قادة وعناصر من الحركتين ضمن قوائم داخلية للمشتبه بهم والخونة، بتهمة التواصل مع الجيش السوداني وتزويده بمعلومات عن تحركات الميليشيا وخططها الهجومية، مما يعكس حالة متزايدة من انعدام الثقة والبارانويا داخل التشكيلات المتحالفة مع الدعم السريع.
وتفاقمت الأزمة إلى درجة أن قيادات ميدانية بارزة داخل “الدعم السريع” طالبت “حميدتي” رسمياً وعبر قنوات داخلية بـ”إبعاد حجر وإدريس من العمليات العسكرية بشكل نهائي” و”تجميد تحالفهما” معتبرين أن مشاركتهما في المعارك باتت تشكل خطراً استراتيجياً على الخطط القتالية وأمن القوات، وأن استمرارهما في الميدان سيكون بمثابة “طعنة في الظهر” للقوات المقاتلة. في المقابل، تشهد مناطق نفوذ هذه القوات في غرب دارفور وجنوبها حملات اعتقال واسعة النطاق، حيث تتحدث مصادر ميدانية عن مقتل عدد من الضباط والجنود المنتمين لقبيلة الماهرية في مدينة الضعين عاصمة شرق دارفور، في اشتباكات داخلية، وسط اتهامات متبادلة بالخيانة والعمالة، وربط أبناء قبيلة المسيرية بالتواصل مع الجيش السوداني وتزويده بالمعلومات الاستخباراتية، في دوامة من العنف الداخلي لا تبشر بخير.
هذا التصدع العميق في التحالف مع حركات الكفاح المسلح يهدد بتقويض الاستراتيجية العسكرية بأكملها لـ”الدعم السريع” التي كانت تعتمد على تنويع مصادر القوة البشرية وتوسيع القاعدة القبلية للحصول على مظلة سياسية وعسكرية أوسع، وتحويل هذه التحالفات إلى عبء إضافي ومصدر لعدم الاستقرار بدلاً من أن تكون مصدر قوة. وتشير التقديرات الميدانية إلى أن هذه الخلافات قد تؤدي إلى انهيار التحالف بالكامل، وانضمام بعض هذه الحركات إلى الجيش السوداني، مما سيشكل ضربة قاسية لحميدتي وحلفائه.
الصراع القبلي المدمر: “الماهرية” ضد “المسيرية” وأزمة الامتيازات والعلاج في الإمارات
يبدو أن جوهر الأزمة العميقة التي تعصف بـ”قوات الدعم السريع” لا يكمن فقط في الصراع على القيادة أو الهزائم العسكرية، بل يمتد إلى جذور الصراع القبلي العميق والمتجذر بين قبيلتي الماهرية والمسيرية، وكلتاهما من أصول عربية وتتقاسم المنطقة الجغرافية ذاتها في دارفور وكردفان. تشير تقارير “براون لاند” ومصادرها الميدانية إلى أن حالة التفضيل المطلق التي تتمتع بها عناصر قبيلة الماهرية، وهي قبيلة “حميدتي” وعبد الرحيم وأسرتهما، على حساب أبناء قبيلة المسيرية، أصبحت تشعل جبهة جديدة وخطيرة من الصراع الداخلي داخل الميليشيا، وقد تكون الأخطر على الإطلاق.
فالمصادر تؤكد وبشكل قاطع أن جنود وضباط الماهرية يتمتعون بامتيازات عسكرية واضحة وعلنية، تتراوح بين الحصول على أفضل الأسلحة والعتاد، وتولي المناصب القيادية الحساسة، والحصول على رواتب ومكافآت مالية مضاعفة، بل وحتى في مجال الرعاية الصحية والعلاج، حيث يتلقى قادة وجنود الماهرية المصابون علاجهم في دولة الإمارات العربية المتحدة على نفقة القيادة، في وقت يعاني فيه بقية الجنود من قبائل أخرى من الإهمال الطبي الميداني ونقص الدواء والمستلزمات الطبية الأساسية، مما خلق حالة من الاستياء والغضب العارمين.
أدت هذه الممارسات التمييزية الصارخة إلى اتهامات متبادلة بالخيانة وتكفير الولاءات، في مشهد مأساوي يعيد إنتاج الصراعات القبلية الدموية التي كانت تغذي حرب دارفور قبل عقدين من الزمن، والتي كان “حميدتي” نفسه أحد أطرافها الأساسية كقائد لـ”الجنجويد”. وتؤكد المصادر المطلعة أن استمرار هذه السياسية التمييزية سيؤدي إلى انفجار وشيك لا يمكن السيطرة عليه، خاصة مع شعور أبناء قبيلة المسيرية (الذين يشكلون جزءاً كبيراً ومهماً من القوة الضاربة للميليشيا في الميدان) بأنهم “غُبنوا” وتم تهميشهم وإقصائهم لصالح “أبناء العم” من الماهرية، وأنهم يدفعون الثمن الأغلى في المعارك بينما يحصد آخرون المكاسب والامتيازات.
وتشير التحليلات القبلية إلى أن استمرار هذا التهميش قد يدفع أبناء المسيرية إلى الانشقاق الجماعي عن الميليشيا، أو حتى إلى تحويل بنادقهم ضد قادة الماهرية في معارك داخلية دموية، وهو السيناريو الذي يخشاه الجميع في أوساط الميليشيا. وقد بدأت بالفعل تظهر بوادر هذا التمرد القبلي في عدة مناطق، حيث تشهد بعض القواعد العسكرية اشتباكات قبلية محدودة بين أبناء القبيلتين، مما يستنزف جهود الميليشيا ويشتت تركيزها في مواجهة الجيش السوداني.
إجلاء القيادات والعائلات: مؤشرات صارخة على انهيار وشيك وفرار القيادات
في واحد من أكثر المؤشرات دراماتيكية وخطورة على حالة التصدع والتفكك التي تعيشها الميليشيا، كشفت مصادر حصرية ومطلعة عن أنباء مؤكدة عن إجلاء منظم لـ 23 أسرة تابعة لقيادات بارزة وكبار ضباط في قوات الدعم السريع من مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور، ونقلهم إلى مدينة زالنجي عاصمة ولاية وسط دارفور، في عملية استمرت عدة أيام وتمت تحت حراسة مشددة، فيما اتجهت بعض الأسر الأخرى نحو مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور، في خطوة تعكس حالة من الفزع وعدم الثقة في قدرة القيادة على حماية عائلات قادتها.
تزامنت هذه الخطوة الدالة مع تقارير ميدانية مؤكدة تؤكد تزايد حدة الخلافات التنظيمية والقبلية في ولايتي جنوب وغرب دارفور، واندلاع اشتباكات داخلية بين فصائل الميليشيا، مما يشير بوضوح إلى أن القيادة العليا باتت تخشى بشكل جدي على سلامة عائلات قادتها من أي تمرد مسلح أو هجمات انتقامية محتملة نتيجة التوترات الميدانية والصراعات القبلية المتصاعدة، أو حتى من هجمات الجيش السوداني الذي يضيق الخناق على الميليشيا في عدة جبهات.
هذا الإجلاء المنظم والدقيق، الذي يشبه عمليات “حماية الأصول الاستراتيجية” و”إخلاء المناطق الساخنة”، يعد اعترافاً ضمنياً وصريحاً من القيادة العليا للميليشيا بحالة الفوضى وعدم الأمان التي بدأت تكتسح مناطق كانت تعتبر حتى وقت قريب معاقل آمنة وخلفية للقيادة، كما يعكس خوف القادة أنفسهم من أن تطالهم موجة الغضب القبلي التي أطلقوا هم عيارها الأول. وتشير المصادر إلى أن بعض القيادات الكبرى بدأت هي الأخرى في نقل عائلاتها بشكل فردي إلى خارج مناطق الصراع، في مؤشر على أن الثقة في مستقبل الميليشيا وصلت إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق، وأن البعض بدأ يستعد لأسوأ السيناريوهات.
الخلاصة النهائية: كيان ينهار من الداخل ومصير مجهول ينتظر الميليشيا
إن ما تمر به مليشيا الدعم السريع اليوم ليس مجرد خلافات عابرة أو أزمات مؤقتة يمكن احتواؤها، بل هو أزمة بنيوية شاملة ومركبة تهدد وجودها ككيان عسكري وسياسي. فالصراع المحتدم بين “حميدتي” و “عبد الرحيم” حول القيادة وأسلوب إدارة المعارك، واتهامات “الطاهر حجر” و”الهادي إدريس” بالتواطؤ والخيانة والعمالة، وتمرد وانشقاق “القبة” و”السافنا” و”الهويرة” و”فارس النور”، والتهميش الممنهج لقبيلة المسيرية لصالح الماهرية والامتيازات الحصرية لأبناء الأخيرة، كلها خيوط متشابكة في نسيج واحد من التفكك والانهيار. الانهيار لم يعد مجرد توقع مستقبلي، بل أصبح حقيقة ملموسة وقائمة، خاصة مع انشقاق الوجوه السياسية مثل فارس النور التي كانت تمثل الغطاء السياسي والدبلوماسي للمشروع العسكري، مما جرد الميليشيا من آخر أوراقها السياسية.
في النهاية، تبدو “قوات الدعم السريع” وكأنها تعيش أيامها الأخيرة ككيان متماسك وفاعل، تلتهمها خلافاتها الداخلية وصراعاتها القبلية واتهاماتها المتبادلة بالخيانة قبل أن يلتهمها الجيش السوداني في الميدان، الذي يشن هجمات متصاعدة على جبهات متعددة ويستعيد السيطرة على مناطق استراتيجية. ومع استمرار سياسة المحاباة والاتهامات والاعتقالات والإعدامات الميدانية، فإن التحذيرات التي أطلقها قادة ميدانيون سابقون وحاليون حول أن “النار ستأكل الأخضر واليابس” وتدمر كل ما بنته الميليشيا تبدو أقرب للتحقق كل يوم، مما يطرح تساؤلات مصيرية حول مستقبل هذه القوات ومصير قادتها في المرحلة القادمة، وما إذا كانت ستتحول إلى مجموعات متمردة متناحرة تذوب في النسيج القبلي، أم ستجد طريقها نحو الانحلال والاختفاء من المشهد السوداني نهائياً.
نقلاً عن صحيفة براون لاند السودانية
