صحيفة براون لاند السودانية
في منطقة ساحل أفريقي تتسم بعدم الاستقرار المزمن وتمدد الجماعات الجهادية، تجد ساحل العاج نفسها في الخطوط الأمامية لمواجهة تحدٍ أمني جسيم. وباعتبارها دولة محورية في غرب أفريقيا الفرنكوفوني ومحركاً اقتصادياً للاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا (UEMOA)، لا يمكنها تجاهل الاضطرابات التي تهز حدودها الشمالية. إن التطورات السياسية والأمنية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر — المنضوية الآن تحت لواء تحالف دول الساحل (AES) — تعيد رسم البيئة الاستراتيجية للمنطقة بعمق. وأمام هذا الواقع الجديد، اختارت أبيدجان نهجاً استباقياً يجمع بين تعزيز القدرات العسكرية وإعادة تعريف شراكاتها الأمنية.
1. تحديث القوات المسلحة: خطة “فاسي 2030” (FACI 2030)
شرعت السلطات الإيفوارية منذ عدة سنوات في برنامج طموح لتحديث القوات المسلحة (FACI):
– خطة 2025: مكنت من إنجاز المرحلة الأولى للتحول الهيكلي للجيش.
– خطة 2030: تهدف لبناء جيش حديث ومتطور تكنولوجياً لمواجهة التهديدات غير المتكافئة (حرب العصابات)، مع التركيز على أن يكون جيشاً “ذكياً، رشيقاً، ومترابطاً” يجمع بين القوة القتالية والاستخبارات المتقدمة.
2. تعزيز القوة الجوية والبرية
تحتل القوة الجوية مكانة مركزية في استراتيجية الردع الجديدة:
– الأسطول الحالي: تمتلك ساحل العاج مروحيات من طراز Mi-24 و Mi-17 للمراقبة والدعم، بالإضافة إلى طائرة النقل التكتيكي Airbus C295 لتحسين اللوجستيات.
– الصفقات القادمة: تجري مناقشات للحصول على مروحيات صينية من طراز Harbin Z-9 وطائرات تدريب وهجوم K-8. كما تُثار احتمالات لشراء طائرات مقاتلة نفاثة مستعملة مثل Mirage 2000، مما سيجعلها من الدول الأفريقية القليلة التي تمتلك طيراناً حربياً نفاثاً.
– القوات البرية والبحرية: يعتمد الجيش على حوالي 30 ألف جندي محترف ووحدات معززة بالمدرعات الخفيفة في الشمال. بينما تلعب البحرية دوراً استراتيجياً في تأمين خليج غينيا ومكافحة القرصنة وحماية المنشآت النفطية.
3. التحول في الشراكات الدولية
بعد إعادة انتشار القوات الفرنسية في عام 2025، تواصل ساحل العاج تعاونها مع باريس وواشنطن، لكنها استكشفت مسارات جديدة شملت التعاون مع الصين. وتساهم التمارين المشتركة (مثل مناورات “توراكو”) في رفع مستوى الجاهزية والتنسيق مع المعايير الدولية.
4. نقطة التحول: هجوم كافولو وسيناريو التهديد
شكل هجوم “كافولو” في يونيو 2020، الذي تبنته “كتيبة ماسينا” التابعة لـ جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (GSIM)، منعطفاً أمنياً بعد مقتل 14 جندياً إيفوارياً. كشف الهجوم عن رغبة الجماعات المسلحة في التمدد نحو الدول الساحلية، مستغلة هشاشة الحدود والشبكات الإجرامية العابرة للحدود.
5. استراتيجية “الأمن والتنمية”
تعتمد أبيدجان نموذجاً يجمع بين الحل العسكري والتنمية الاجتماعية:
– المناطق الشمالية: تم نشر برامج اقتصادية واجتماعية لتحسين البنية التحتية والتوظيف لتقليل الثغرات التي يستغلها المتطرفون.
– النتائج: لم تسجل ساحل العاج أي هجوم كبير منذ عام 2022، مما يجعل نموذجها محط أنظار الدول الساحلية الأخرى (مثل غانا وتوغو وبنين والسنغال) لبناء “حزام أمني” على طول خليج غينيا.
6. التحديات القائمة
رغم النجاحات، تظل هناك تحديات مستمرة تشمل:
– هشاشة الحدود الشمالية.
– تدفق اللاجئين من بوركينا فاسو.
– حملات التضليل الإعلامي على وسائل التواصل الاجتماعي التي تغذيها جهات خارجية لزعزعة الاستقرار السياسي الإقليمي.
الخلاصة:
لقد استخلصت ساحل العاج درساً أساسياً في هذه المرحلة الجيوسياسية.
السيادة لا تُعلن بالخطابات فحسب، بل تُبنى من خلال القدرة على استباق التهديدات، تعزيز المؤسسات، وحماية الإقليم بشكل مستدام.
