يعد التهديد الأمني الذي يواجه دول خليج غينيا مجرد احتمال بعيد قادم من عمق الساحل الأفريقي، بل أصبح واقعاً ميدانياً يتجسد يوماً بعد آخر عبر هجمات متكررة تستهدف الجيوش والمراكز الأمنية في المناطق الحدودية. وفي هذا السياق، جاء الهجوم الأخير الذي استهدف معسكرين للجيش البنيني في منطقة كوالو الحدودية ليؤكد أن الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيم القاعدة تواصل توسيع نطاق عملياتها جنوباً، مستفيدة من هشاشة الحدود وتعقيدات الجغرافيا السياسية في المنطقة.الهجوم الذي وقع شمال قرية كوالو، قرب الحدود مع بوركينا فاسو، لم يكن مجرد عملية عسكرية عابرة، بل حمل رسائل أمنية واستراتيجية عميقة. فتنفيذ هجوم منسق ضد موقعين عسكريين في وقت متقارب، باستخدام أعداد كبيرة من المقاتلين الذين تحركوا على متن دراجات نارية، يعكس مستوى متقدماً من التنظيم والتخطيط والقدرة على المناورة الميدانية.كما أن تمكن المهاجمين من الاستيلاء على أسلحة ثقيلة ومعدات عسكرية وطائرات استطلاع بدون طيار، يشير إلى أن الجماعات المسلحة لم تعد تعتمد فقط على حرب الاستنزاف التقليدية، بل باتت تسعى إلى تطوير قدراتها التقنية والعسكرية بشكل مستمر عبر استهداف الثكنات المعزولة والحدودية.وتكتسب منطقة كوالو حساسية خاصة بسبب وضعها الجغرافي والسياسي المعقد. فالمنطقة تقع داخل نطاق حدودي متنازع عليه بين بنين وبوركينا فاسو، ما يجعلها مساحة رخوة أمنياً، تستغلها الجماعات المسلحة للتحرك وإعادة الانتشار. وفي مثل هذه البيئات الحدودية غير المستقرة، تصبح مسألة السيادة الجغرافية نفسها عاملاً معقداً يعرقل التنسيق الأمني ويخلق ثغرات تستفيد منها التنظيمات المتطرفة.ومنذ سنوات، تعمل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين على إعادة تشكيل استراتيجيتها الإقليمية. فبعد أن ركزت نشاطها لفترة طويلة داخل مالي وبوركينا فاسو والنيجر، بدأت تدريجياً في التمدد نحو دول الساحل الساحلية، وخاصة بنين وتوغو، في محاولة للوصول إلى منافذ جديدة وتعزيز نفوذها جنوباً.ويبدو أن شمال بنين تحول خلال الفترة الأخيرة إلى ساحة ضغط مستمرة، حيث تتكرر الهجمات ضد القوات الأمنية، خصوصاً في المناطق القريبة من منتزه “W” وغابات البندجاري، وهي مناطق تمنح الجماعات المسلحة غطاءً طبيعياً يساعدها على التخفي والتنقل السريع.الأخطر في هذا التصعيد أن الجماعات المسلحة لم تعد تكتفي بتنفيذ عمليات خاطفة ثم الانسحاب، بل أصبحت تسعى إلى فرض حضور نفسي وعسكري دائم عبر إظهار قدرتها على مهاجمة الجيوش النظامية والاستيلاء على معداتها. وهذا النوع من العمليات يحمل بعداً دعائياً مهماً، لأنه يهدف إلى إضعاف صورة الدولة وإظهار عجزها عن حماية مواقعها الحدودية.كما أن ظهور بعض المقاتلين في تسجيلات دعائية وهم يرتدون زياً عسكرياً مشابهاً للزي البوركينابي يفتح الباب أمام تساؤلات مقلقة بشأن مسارات تهريب المعدات العسكرية وإمكانية اختراق الجماعات المسلحة لبعض الشبكات المحلية أو الإقليمية.الهجوم الأخير يكشف أيضاً عن أزمة أعمق تتجاوز بنين وحدها، وهي أزمة الأمن الجماعي في منطقة الساحل وغرب أفريقيا. فالتنظيمات المسلحة تتحرك اليوم عبر فضاء جغرافي مفتوح يتجاوز الحدود التقليدية للدول، مستفيدة من ضعف التنسيق الاستخباراتي، وصعوبة مراقبة المساحات الصحراوية والغابية الشاسعة، إلى جانب الأزمات السياسية والاقتصادية التي تعاني منها المنطقة.وفي ظل هذا الواقع، تبدو الحاجة ملحة لإعادة بناء مقاربة أمنية إقليمية أكثر فاعلية، تقوم على التنسيق الميداني وتبادل المعلومات الاستخباراتية وتعزيز الانتشار العسكري في المناطق الحدودية الهشة، بدلاً من الاقتصار على ردود الفعل بعد وقوع الهجمات.إن ما حدث في كوالو ليس حادثاً معزولاً، بل مؤشر واضح على مرحلة جديدة من التهديدات الأمنية في غرب أفريقيا، مرحلة تحاول فيها الجماعات المسلحة نقل مركز الثقل العملياتي نحو الجنوب، مستغلة كل فراغ أمني أو خلاف حدودي أو ضعف مؤسساتي.وبينما تتصاعد هذه التحديات، يبقى السؤال الأهم: هل تمتلك دول المنطقة القدرة على بناء استراتيجية مشتركة تمنع تحول الحدود الشمالية لبنين إلى نسخة جديدة من الفوضى الأمنية التي تعيشها بعض مناطق الساحل؟.
