قراءة تحليلية في التحركات الدولية لإطلاق مرحلة سياسية جديدة
تعيش ليبيا منذ أكثر من عقد في حالة من الانقسام السياسي والمؤسساتي، جعلت البلاد ساحة مفتوحة للتجاذبات الداخلية والتنافس الإقليمي والدولي. ومع تعثر المسارات السابقة، عادت الأمم المتحدة مجددًا لطرح مبادرة سياسية جديدة تقوم على تشكيل سلطة تنفيذية موحدة تقود البلاد نحو الانتخابات، في محاولة لإخراج ليبيا من حالة الجمود والانقسام المزمن.غير أن السؤال الجوهري لا يتعلق فقط بقدرة المجتمع الدولي على إنتاج خارطة طريق جديدة، بل بمدى إمكانية تحويل هذه المبادرة إلى واقع سياسي قابل للحياة في ظل شبكة المصالح المعقدة التي تحكم المشهد الليبي.إن المقترح الجديد يعكس إدراكًا أمميًا متزايدًا بأن استمرار الانقسام بين حكومتي الشرق والغرب لم يعد مجرد أزمة سياسية، بل تحول إلى تهديد مباشر للاستقرار الإقليمي في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء، خاصة مع تنامي شبكات التهريب والهجرة غير الشرعية وانتشار السلاح والجماعات المسلحة العابرة للحدود.وتقوم المبادرة على ثلاثة محاور رئيسية:أولها توحيد السلطة التنفيذية وإنهاء ازدواجية المؤسسات،وثانيها وضع جدول زمني واضح للمرحلة الانتقالية،وثالثها ضمان تمثيل مختلف القوى والمكونات الليبية داخل العملية السياسية.لكن خلف هذه العناوين العامة توجد معركة نفوذ حقيقية. فكل طرف داخلي أو خارجي ينظر إلى أي سلطة انتقالية جديدة باعتبارها بوابة لإعادة توزيع النفوذ والثروة، خصوصًا في ظل أهمية النفط الليبي والموقع الجيوسياسي للبلاد على المتوسط.في الشرق الليبي، لا تزال القوى المرتبطة بالمشير خليفة حفتر تسعى لضمان دور مركزي للمؤسسة العسكرية في أي تسوية قادمة، مع رفض أي ترتيبات قد تؤدي إلى تهميش نفوذها السياسي والعسكري. وفي المقابل، تخشى القوى المسيطرة في غرب ليبيا من أن تتحول الحكومة الموحدة إلى أداة لإعادة تمكين خصومها داخل العاصمة ومؤسسات الدولة.أما على المستوى الدولي، فإن التوافق الظاهري بين القوى الكبرى لا يلغي وجود تناقضات عميقة في الرؤى والمصالح. فبعض الدول تنظر إلى الملف الليبي من زاوية أمن الطاقة، بينما تركز أخرى على ملف الهجرة أو التوازنات العسكرية في البحر المتوسط وأفريقيا.كما أن الأمم المتحدة نفسها تواجه أزمة ثقة داخل الشارع الليبي، نتيجة فشل المبادرات السابقة في تحقيق اختراق حقيقي. فقد تحولت المراحل الانتقالية المتعاقبة إلى حالة دائمة بدل أن تكون جسرًا نحو الاستقرار، وأصبحت النخب السياسية متهمة باستثمار الانقسام للحفاظ على امتيازاتها السياسية والاقتصادية.ومن أبرز التحديات التي تواجه خارطة الطريق الجديدة قضية الانتخابات ذاتها. فالمشكلة في ليبيا لم تكن يومًا مجرد غياب موعد انتخابي، بل غياب التوافق على القواعد الدستورية، وشكل النظام السياسي، وطبيعة توزيع السلطة بين الأقاليم التاريخية الثلاثة: برقة وطرابلس وفزان.إضافة إلى ذلك، تبقى قضية المجموعات المسلحة أحد أخطر الملفات المعقدة. إذ لا يمكن الحديث عن انتخابات مستقرة أو انتقال سياسي آمن في ظل وجود تشكيلات عسكرية متنافسة تمتلك نفوذًا ميدانيًا واقتصاديًا واسعًا، وبعضها يرتبط بشكل مباشر بأطراف خارجية.ورغم كل هذه التحديات، فإن الحراك الدولي الحالي يحمل دلالات مهمة. فهناك شعور متزايد لدى القوى الدولية بأن استمرار الوضع الراهن أصبح مكلفًا، خاصة بعد التحولات الأمنية في منطقة الساحل، وتصاعد التنافس الدولي في أفريقيا، وتزايد المخاوف الأوروبية من موجات الهجرة وعدم الاستقرار.كما أن بعض القوى الإقليمية باتت تميل إلى تخفيف التصعيد في ليبيا ضمن سياسة أوسع لإعادة ترتيب علاقاتها الإقليمية، ما قد يفتح هامشًا محدودًا أمام تسوية سياسية أقل صدامًا من السابق.ومع ذلك، فإن نجاح أي خارطة طريق سيظل مرتبطًا بعامل أساسي: هل توجد إرادة حقيقية لدى القوى الليبية للتخلي عن اقتصاد الانقسام والانتقال إلى منطق الدولة؟فالأزمة الليبية لم تعد مجرد صراع على السلطة، بل أصبحت منظومة مصالح متشابكة تستفيد من استمرار الفوضى. ولذلك فإن أي مشروع سياسي لا يتعامل مع جذور هذه المنظومة سيبقى معرضًا للانهيار، حتى وإن حظي بدعم دولي واسع.في النهاية، تبدو ليبيا اليوم أمام مفترق طرق حاسم:إما الدخول في مرحلة سياسية جديدة تؤسس لدولة موحدة ومؤسسات مستقرة،وإما إعادة تدوير الأزمة عبر تسويات مؤقتة تنتج انقسامًا جديدًا بصيغة مختلفة.والواضح أن المجتمع الدولي يحاول هذه المرة منع انهيار المسار السياسي بالكامل، لكن نجاحه لن يُقاس بعدد الاجتماعات والبيانات، بل بقدرته على تحويل التفاهمات الدولية إلى توافق ليبي داخلي حقيقي يضع مصلحة الدولة فوق حسابات النفوذ والصراع.

بقلم-حسن يوسف زرما
