منذ إبعاد شوغيل كوكالا مايغا من واجهة السلطة، دخلت مالي مرحلة جديدة اتسمت بتغليب المقاربة العسكرية على حساب التوازن السياسي. هذا التحول، الذي جاء تحت قيادة أسيمي غويتا، لم يكن مجرد تغيير في الأشخاص، بل في طبيعة إدارة الدولة نفسها.
مايغا كان من أبرز الأصوات داخل السلطة الانتقالية التي حذّرت من مخاطر “عسكرة الحكم”. فقد أشار مرارًا إلى أن الاعتماد المفرط على الحلول الأمنية، دون بناء قاعدة سياسية توافقية، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها توسيع رقعة الصراع بدل احتوائه. هذه التحذيرات لم تُؤخذ بالجدية الكافية، بل تم تهميشها في سياق إعادة تشكيل مركز القرار لصالح المؤسسة العسكرية.
أول الأخطاء الاستراتيجية تمثل في إقصاء الفاعلين المدنيين من دوائر التأثير. هذا الإقصاء أضعف الشرعية الداخلية للسلطة، وخلق فجوة بينها وبين قطاعات واسعة من المجتمع، بما في ذلك نخب سياسية كانت قادرة على لعب دور الوسيط في الأزمات.
ثانيًا، الرهان شبه الكامل على الخيار العسكري في مواجهة الجماعات المسلحة، وعلى رأسها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، دون موازاة ذلك بمسارات سياسية أو محلية للحوار، ساهم في إعادة تشكيل هذه الجماعات لنفسها وتوسيع نطاق عملياتها.
ثالثًا، إعادة ترتيب التحالفات الخارجية بشكل حاد، خصوصًا مع تقليص التعاون مع شركاء تقليديين والانفتاح على أطراف جديدة، خلق حالة من عدم الاستقرار في الدعم الدولي، وأثر على التنسيق الأمني في منطقة الساحل.
أما الخطأ الرابع، فهو سوء تقدير ديناميكيات الشمال المالي، حيث عادت قوى مثل جبهة تحرير أزواد إلى الواجهة، مستفيدة من الفراغات الأمنية والسياسية، ما أعاد البلاد إلى مربع التوترات القديمة التي لم تُحل جذريًا منذ سنوات.
اليوم، ومع تصاعد الهجمات المنسقة واتساع نطاقها الجغرافي، تبدو مالي أمام نتيجة حذّر منها مايغا سابقًا: تداخل الأزمات الأمنية مع هشاشة سياسية داخلية، وهو ما يخلق بيئة قابلة للفوضى إذا لم يتم تداركها.
الخلاصة أن ما يحدث ليس مجرد تطور أمني عابر، بل هو نتاج مسار كامل من القرارات التي غلّبت القوة على السياسة، وأقصت التوازنات الضرورية لإدارة دولة معقدة مثل مالي. العودة إلى الاستقرار، في هذا السياق، لن تكون ممكنة دون إعادة الاعتبار للعمل السياسي، وإشراك الفاعلين المدنيين، وبناء مقاربة شاملة تتجاوز الحل العسكري وحده.
