شهدت منطقة الشرق الأوسط عامة والخليج العربي خاصة تصعيداً جديداً بين أمريكا وإيران. فلأول مرة منذ انتهاء الحرب، تبادل الطرفان ضربات عسكرية وتهديدات بتنفيذ ضربات أخرى. وتسبب هذا الموقف بازدياد التوتر العسكري بينهما على ضوء استمرار عملية التفاوض التي تم تسفر حتى الآن عن نتيجة واضحة.
كيف بدأت القصة
بداية تجدر الإشارة إلى السبب الذي يقف وراء القصة التي وقعت أمس الثلاثاء. أولاُ، ذكرت وسائل إعلام أن مروحية عسكرية أمريكية من نوع “أباتشي” تحطمت فوق مضيق هرمز دون توضيح الأسباب. وأضافت بأن الطيارين الذين كانا يقوداها نجا من الحادث. ثانياً، زعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد بضع ساعات أن إيران هي التي أطلقت النار على المروحية. وبالتالي، اتهمها بالمسؤولية عن الحادثة. وسرعان ما أضاف بأن بلاده سترد عسكرياً عليها. إضافة إلى ذلك، قال – كما درجت العادة في الأشهر الأخيرة – إن الاتفاق بين الجانبين على وشك الإبرام.
من جهتها، نفت الجمهورية الإسلامية على لسان الكثير من مسؤوليها مسؤوليتها عن الحادثة. وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية عباس عراقجي إن طهران لم تستهدف المروحية الأمريكية خلافاً لتصريحات ترامب. إلا أنه أكد أن القوات الإيرانية مستعدة لمواجهة أي انتهاك للأراضي أو المياه الإقليمية الإيرانية. كما أصدر عدد من قياديي الجيش والحرس الثوري تصريحات مماثلة. وشددوا فيها على جاهزية الطرف الإيراني للرد على أي استفزاز أو اعتداء.
أمريكا وإيران: الضربات تعود من جديد
في هذا السياق وبعد مرور عدة ساعات، أقدم الجيش الأمريكي على استهداف أراضي إيران. تم ذلك في شكل ثلاث موجات كأكبر عملية قصف من نوعها منذ انتهاء الحرب.
وفي التفاصيل طال القصف الأمريكي المواقع الآتية:
– قاعدة سيريك البحرية
– محطة تخزين المياه في سيريك (عمداً وليس خطأ حسب تصريح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية)
– قاعدة جاسك البحرية
– موقع بندر عباس للدفاع الجوي
– موقع ميناب للصواريخ الساحلية
– منشأة قشم للصواريخ الساحلية
– ميناء قشم التجاري.
من جانبها، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن عملية القصف تمت في إطار الدفاع عن النفس ورداً على حادثة إسقاط المروحية المذكورة أعلاه. علاوة على ذلك، ذكرت أنها جرت بقرار مباشر من الرئيس ترامب. وقالت إنها تعتبر رداً متناسباً على ما وصفته بأنه “عدوان إيراني غير مبرر”. وبعد هذه الضربات أصدر الجيش الأمريكي بياناً آخر أعلن فيه الانتهاء من الهجوم على إيران.
إيران ترد على الهجوم
بدورها، لم تلتزم الجمهورية الإسلامية الصمت وقررت تنفيذ رد عسكري مباشر على الهجوم الأمريكي. واعتبر محللون أن الرد الإيراني كان أوسع وأكبر حجماً وتأثيراً من القصف الأمريكي، مما يعتبر رسالة تحد جديدة من طرف طهران تجاه واشنطن في إطار معادلة جديدة تعكف على رسمها في المنطقة: أي هجوم أو قصف لن يمر مرور الكرام من الآن فصاعداً.
وفي هذا الإطار، أعلن الحرس الثوري تنفيذ عدة ضربات ضد أهداف أمريكية في دول المنطقة باستخدام صواريخ ومسيرات متنوعة. وفي أول بيان أشار الحرس إلى استهداف 21 هدفاً في قواعد جوية وبحرية أمريكية بالمنطقة وإسقاط مسيرة MQ9 المتطورة.
إضافة إلى ذلك، شن الجانب الإيراني موجة قصف أخرى، وفق بيان ثانٍ صدر عن الحرس الثوري. شمل القصف تدمير 4 أهداف مهمة، من بينها حظائر مقاتلات F35 في القاعدة الجوية “الأزرق” الواقعة بالأردن. وحسب البيان، شهدت العملية استخدام صواريخ بعيدة المدى تعمل بالوقود الصلب.
وجدير بالذكر أن القاعدة في الأردن تم استهدافها للمرة الأولى منذ انتهاء الحرب. كما تم قصف قاعدة “علي سالم” في الكويت في كثافة نارية فاقت مستوى الهجوم الأمريكي. وبذلك، تقول طهران إن أي استهداف لأراضيها سيقابل بكلفة مباشرة تطال قواعد الارتكاز الأمريكية.
تهديدات جديدة من قبل ترامب
أما اليوم وبعد انتهاء جولة التصعيد، فأطلق الرئيس الأمريكي تهديدات جديدة بحق إيران. قبل كل شيء، قال: “سنضرب إيران اليوم مجدداً”. وأضاف: “لا نريد اتفاقاً مثل الذي أبرمه أوباما. كنا قريبين جداً من الاتفاق، لكنهم يستمرون في مماطلتنا واستغفالنا”.
وإضافة إلى ذلك، صرح ترامب: “إيران ستدفع الثمن. كان يجب عليها أن توقع على الاتفاق”. وتابع بالقول: “سنهاجم إيران بشكل قوي”.
بهذا الأسلوب يظهر ترامب أنه لا يزال يحاول الضغط على إيران بالتلويح بخيار عسكري. الهدف هو محاولة انتزاع تنازلات تفاوضية منها.
الخلاصة
ختاماً ينبغي القول إن الوضع في المنطقة لا يزال غامضاً إلى حد كبير. فمن ناحية، تستمر العملية الدبلوماسية، إلا أنها لم تسفر حتى الآن عن نتيجة. ومن ناحية أخرى، ازداد التوتر العسكري مؤخراً بشكل غير مسبوق منذ انتهاء الحرب. علاوة على ذلك، تواصل إسرائيل قصف جنوب لبنان، ما يعتبر انتهاكاً لشرط إيران الأخير بشأن وقف إطلاق النار.
نظراً للعوامل المذكورة أعلاه مجتمعة، تبقى كافة الاحتمالات واردة سياسية أو عسكرية على السواء. لكن مما لا شك فيه هو أن ترامب تورط في معضلة لا يعرف كيف يحلها.
نقلاً عن صحيفة براون لاند
