لم يكن الهجوم الذي استهدف مطار ديوري حماني الدولي في نيامي يوم 18 يونيو 2026 مجرد عملية إرهابية تقليدية، بل يمثل مؤشراً استراتيجياً على التحولات التي تشهدها الجماعات المسلحة في منطقة الساحل، سواء من حيث طبيعة الأهداف أو أساليب التنفيذ أو الرسائل السياسية والأمنية التي تسعى إلى إيصالها.
فاستهداف العاصمة نيامي، التي تعد مركز الثقل السياسي والعسكري والإداري للنيجر، يحمل دلالات تتجاوز الخسائر البشرية والمادية المباشرة. فالجماعات المسلحة تدرك أن التأثير النفسي والإعلامي لعملية تنفذ في قلب الدولة يفوق في كثير من الأحيان تأثير العمليات التي تقع في المناطق الحدودية النائية.
تشير المعطيات الأولية إلى أن المهاجمين استخدموا وسائل نقل مدنية شملت سيارات أجرة (تاكسي) وشاحنة صغيرة،(تويوتا دفار، كانت بداخله قش الأرز و هم متخفون بداخله و السيارة بلوحة مرقمة من نيجيريا) وهذا الأسلوب يعكس محاولة الاستفادة من البيئة الحضرية والتخفي وسط الحركة اليومية للعاصمة. كما أن قدرة المجموعة المهاجمة على الوصول إلى محيط منشأة استراتيجية بهذا الحجم تطرح تساؤلات جدية حول شبكات الدعم اللوجستي والاستخباراتي التي ربما ساعدت في التخطيط والتنفيذ.
وتزداد أهمية هذه العملية عند النظر إلى توقيتها، إذ جاءت بعد أقل من أربع وعشرين ساعة من هجمات متزامنة استهدفت مواقع عسكرية في إيناتس وباني بانغو بمنطقة تيلابيري. هذا التتابع الزمني يوحي بوجود استراتيجية تهدف إلى تشتيت الجهد العسكري والأمني وإظهار قدرة الجماعات المسلحة على العمل في مسارح عمليات متعددة خلال فترة زمنية قصيرة.
ومن الناحية العسكرية، تكشف الحصيلة المعلنة – مقتل 22 مهاجماً واعتقال نحو 20 مشتبهاً به – أن قوات الدفاع والأمن تمكنت من منع المهاجمين من تحقيق أهدافهم الرئيسية. إلا أن نجاح القوات في إحباط العملية لا يلغي حقيقة أن وصول المهاجمين إلى محيط هدف استراتيجي بهذا المستوى يمثل تحدياً أمنياً يستوجب دراسة دقيقة للثغرات المحتملة في منظومة الإنذار المبكر والحماية المحيطة بالمنشآت الحيوية.
كما تؤكد العملية أن التهديد الإرهابي في النيجر لم يعد يقتصر على الهجمات الريفية التقليدية ضد القرى والنقاط العسكرية المعزولة، بل يتجه بصورة متزايدة نحو استهداف الرموز السيادية والبنية التحتية الاستراتيجية ذات الأثر الإعلامي والسياسي الكبير.
خلال السنوات الأخيرة، عملت الجماعات المسلحة في منطقة الساحل على تطوير تكتيكاتها العملياتية، مستفيدة من الخبرات المتراكمة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر. وأصبحت هذه الجماعات أكثر قدرة على الجمع بين الهجمات المباشرة والعمل الاستخباراتي والدعاية الإعلامية، في محاولة لإظهار نفسها كقوة قادرة على تحدي الدولة حتى داخل مراكزها الحضرية الرئيسية.
إن الدرس الأهم الذي يقدمه هجوم مطار نيامي يتمثل في أن المواجهة مع الجماعات المسلحة لم تعد معركة عسكرية فقط، بل أصبحت معركة استخباراتية وأمنية ولوجستية تتطلب تعزيز منظومات الرصد والاستباق، وتطوير قدرات مكافحة التسلل داخل المدن، ورفع مستوى التنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية.
وفي نهاية المطاف، فإن نجاح قوات الدفاع والأمن في صد الهجوم ومنع سقوط المنشأة الاستراتيجية يعد إنجازاً مهماً، غير أن القيمة الحقيقية لهذه العملية ستتحدد بمدى قدرة المؤسسات الأمنية على استخلاص الدروس منها وتحويلها إلى إجراءات عملية تمنع تكرار مثل هذه الاختراقات مستقبلاً.
حسن يوسف زرما، باحث ومحلل في شؤون الأمن والاستراتيجية بمنطقة الساحل
