تتصاعد المواجهة بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة، وتنظيم الدولة الإسلامية في الساحل، في شمال شرقي بوركينا فاسو، وسط تنافس إعلامي متزايد حول نتائج المعارك وحجم الخسائر التي تكبدها كل طرف. وتتركز الروايات المتداولة على محيط قرية غانادوري في إقليم أودالان، ضمن منطقة الساحل المحاذية لمالي والنيجر.
رواية تنظيم الدولة: خسائر كبيرة في صفوف جماعة نصرة الإسلام:-
نقلت وكالة أعماق الدعائية التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية أن هجوماً مضاداً شنه التنظيم في محيط غانادوري أسفر عن مقتل أكثر من 400 عنصر من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، مضيفة أن مقاتليها استولوا على أكثر من مئة مركبة وآلية، فضلاً عن مئات الأسلحة الرشاشة الثقيلة وقواذف الصواريخ.
وتمثل هذه الأرقام، إذا ثبتت صحتها، مؤشراً على مواجهة واسعة النطاق بين التنظيمين. غير أن حجم الخسائر والأسلحة المعلن الاستيلاء عليها لا يزال ضمن ادعاءات تنظيمية تحتاج إلى تحقق مستقل، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها حصيلة مؤكدة للمعركة.
وتأتي هذه الادعاءات في سياق صراع يتجاوز التنافس على المواقع والنفوذ المحلي، ليشمل السيطرة على طرق الحركة والإمداد والمناطق الحدودية، إلى جانب محاولة كل تنظيم إظهار تفوقه العسكري أمام أنصاره ومنافسيه.
جماعة نصرة الإسلام والمسلمين: التركيز على خطاب التعبئة والتجنيد:-
في المقابل، لم يصدر عن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وفق المعلومات الواردة في التقرير، رد تفصيلي مماثل بشأن حصيلة المواجهة في غانادوري. لكن الجماعة نشرت مقطعاً دعائياً مطولاً يظهر محمود باري، المعروف بأبي يحيى، المرتبط بتأسيس كتيبة ماسينا.
وتناول الخطاب اتهامات للقوات الروسية التابعة لفيلق أفريقيا بارتكاب انتهاكات ضد السكان في مالي، واستخدام ذخائر قال المتحدث إنها محظورة، بينها الذخائر العنقودية. وأرفق الخطاب هذه الاتهامات بصور، بحسب المادة المتداولة.
وتتطلب هذه المزاعم المتعلقة باستخدام الذخائر المحظورة فحصاً مستقلاً للصور، وتحديد مواقعها وتواريخها، والتحقق من طبيعة الذخائر المستخدمة والجهة المسؤولة عنها، قبل اعتمادها بوصفها وقائع مثبتة.
وفي جانب آخر، حاول الخطاب تقديم الجماعة باعتبارها مدافعاً عن السكان المتضررين من النزاع، مع توجيه دعوة إلى الماليين للانضمام إلى صفوفها.ويعكس هذا التوجه محاولة لتوسيع قاعدة التجنيد عبر توظيف المظالم المحلية والخسائر المدنية والخطاب المناهض للقوات الأجنبية. كما يندرج ضمن مسعى الجماعة إلى ترسيخ حضورها في المناطق التي تنشط فيها، وتقديم نفسها بوصفها قوة قادرة على أداء أدوار تتجاوز العمليات المسلحة.
الصراع على الأرض والشرعية المحلية:-
توضح التطورات المتداولة أن المواجهة بين التنظيمين تجري على مستويين متداخلين.
المستوى الأول عسكري، ويتمثل في التنافس على مناطق النفوذ وممرات الحركة ومصادر الإمداد، ومحاولة إضعاف القدرات القتالية للطرف الآخر.
أما المستوى الثاني فهو إعلامي واجتماعي، حيث يسعى كل طرف إلى تقديم نفسه بوصفه صاحب المبادرة والانتصار، واستثمار الخسائر التي يتكبدها منافسه في استقطاب المقاتلين وتعزيز صورته داخل البيئات المحلية.
وفي هذا السياق، لا تمثل الأرقام الكبيرة المعلنة عن القتلى والمعدات المستولى عليها مجرد بيانات ميدانية، بل تؤدي وظيفة دعائية تهدف إلى التأثير في معنويات الخصم والأنصار والسكان. ولذلك، ينبغي الفصل بين الوقائع القابلة للتحقق والرسائل التي يسعى كل تنظيم إلى ترسيخها.
الأهمية الإقليمية: محور بوركينا فاسو ومالي والنيجر؛-
تكتسب المواجهة أهمية إقليمية بسبب موقع إقليم أودالان في شمال شرقي بوركينا فاسو، بالقرب من الحدود مع مالي والنيجر، حيث تتداخل مناطق نشاط الجماعات المسلحة وتتجاوز تحركاتها الحدود الوطنية.
وإذا تمكن تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل من إلحاق خسائر كبيرة بجماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتثبيت وجوده في مناطق جديدة، فقد تتغير موازين النفوذ المحلي ومسارات الحركة والإمداد بين المناطق الحدودية. لكن إثبات حدوث تحول استراتيجي من هذا النوع يتطلب معلومات ميدانية إضافية، ولا يكفي فيه إعلان الانتصار وحده.
أما الإشارة إلى مشروع الربط الإقليمي مع تنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا، المعروف اختصاراً بـ«إيسواب» (ISWAP)، فتشير إلى احتمال اهتمام التنظيم بتعزيز التواصل الجغرافي والعملياتي بين مناطق نشاطه في الساحل وحوض بحيرة تشاد. غير أن وجود تصور استراتيجي للربط لا يعني أن هذا الاتصال تحقق فعلياً أو أن معركة غانادوري ستؤدي بالضرورة إلى إنجازه.
وبالنسبة إلى النيجر، فإن استمرار القتال بين التنظيمين في المناطق الحدودية قد يفرض تحديات إضافية على مراقبة الحدود، ويزيد مخاطر تحركات المقاتلين والأسلحة، كما قد يفاقم الضغوط الأمنية على المجتمعات الواقعة بين مناطق النفوذ المتنافسة.
التقدير الأمني:-
أولاً: لا تزال حصيلة معركة غانادوري غير محسومة. ادعاء مقتل أكثر من 400 عنصر من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، والاستيلاء على مئات الأسلحة، يحتاج إلى أدلة مستقلة. ويجب التعامل مع هذه الأرقام بحذر إلى حين ظهور معلومات موثوقة تؤكدها أو تنفيها.
ثانياً: المعركة جزء من صراع أوسع على النفوذ. التنافس بين التنظيمين لا يقتصر على المواجهة المباشرة، بل يرتبط بمحاولة كل طرف توسيع مناطق نشاطه وإضعاف قدرة خصمه على التجنيد والحركة والسيطرة المحلية.
ثالثاً: يتبع الطرفان مسارين دعائيين مختلفين في المواد المتداولة. يركز تنظيم الدولة على إبراز الخسائر التي يقول إنه ألحقها بمنافسه، بينما يركز خطاب جماعة نصرة الإسلام والمسلمين على اتهام القوات الروسية بالانتهاكات وتقديم الجماعة باعتبارها مدافعاً عن السكان، بالتوازي مع الدعوة إلى التجنيد.
رابعاً: الحديث عن تحول تاريخي ما زال سابقاً لأوانه. وصف المواجهة بأنها أكبر معركة بين التنظيمين منذ الحرب السورية، أو اعتبارها نقطة تحول في مشروع الربط مع تنظيم الدولة في غرب أفريقيا، يحتاج إلى مقارنة موثقة بحجم المعارك السابقة ونتائج المواجهة الحالية.
من هنا تكشف التطورات المتداولة عن احتدام المنافسة بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم الدولة الإسلامية في الساحل، عسكرياً وإعلامياً، في شمال شرقي بوركينا فاسو. لكن تحديد الطرف الذي حقق مكاسب استراتيجية فعلية يتطلب تجاوز البيانات الدعائية إلى التحقق من الخسائر، وحجم السيطرة الميدانية، وقدرة كل طرف على الاحتفاظ بالمواقع وتأمين خطوط الحركة والإمداد.
حسن يوسف زرما

