تحليل خاص| حسن زرما
لا يمكن قراءة المواجهات المتجددة بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم الدولة الإسلامية في منطقة الساحل بمعزل عن التوازنات العسكرية والسياسية التي تحكم الصراع في مالي. فبينما يستنزف التنظيمان قدراتهما في مواجهة بعضهما، تجد القوات المالية نفسها أمام فرصة محتملة لتخفيف الضغط على جبهاتها، في حين تواجه جبهة تحرير أزواد معادلة أكثر تعقيدًا، خصوصًا إذا كانت تراهن على النصرة باعتبارها قوة مساندة في المواجهة مع الجيش المالي.
تنبع أهمية هذه المعادلة من التفاوت في طبيعة الأطراف الثلاثة وأهدافها وقدراتها. فالصراع لا يدور بين تنظيمين مسلحين فحسب، بل يؤثر أيضًا في حسابات جبهة تحرير أزواد، التي تتقاطع مصالحها الميدانية مع النصرة في بعض الجبهات، رغم الاختلاف الجوهري بين المشروعين السياسيين والأيديولوجيين للطرفين.
النصرة وأزواد.. تفاوت في القدرات واختلاف في الأهداف
تمتلك جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، بحكم سنوات نشاطها في منطقة الساحل، شبكات تجنيد وإمداد محلية في عدد من مناطق نفوذها، إلى جانب خبرة ميدانية وقدرة على استقطاب مقاتلين من البيئات التي تنشط فيها. ولا تقتصر أهمية هذه الشبكات على توفير العناصر البشرية، بل تمتد إلى معرفة الجغرافيا المحلية، وفهم العلاقات الاجتماعية، والاستفادة من الروابط القبلية والمجتمعية في تسهيل الحركة وتعزيز الحضور الميداني.
في المقابل، تستند جبهة تحرير أزواد إلى قاعدة سياسية واجتماعية مرتبطة بالقضية الأزوادية، ولديها أهداف تختلف عن المشروع الجهادي الذي تتبناه النصرة. ولذلك، فإن أي تعاون عسكري بين الطرفين يظل محكومًا بتقاطع المصالح في مواجهة القوات المالية، وليس بالضرورة بتطابق الأهداف أو وجود تحالف استراتيجي مستدام.
ومن هذه الزاوية، فإن اعتماد الجبهة على النصرة في بعض المواجهات قد يحقق لها مكاسب تكتيكية، لكنه قد يضعها أيضًا أمام مشكلة استراتيجية إذا انشغلت الأخيرة بصراع طويل مع تنظيم الدولة الإسلامية، أو تعرضت لاستنزاف يحد من قدرتها على توفير الدعم الميداني.
ومع ذلك، لا ينبغي افتراض أن الجبهة عاجزة عن التحرك بصورة مستقلة، أو أن النصرة تتفوق عليها في جميع عناصر القوة؛ فلكل طرف مصادر نفوذ وأدوات عسكرية وسياسية مختلفة، وتتوقف موازين القوة الفعلية على طبيعة الجبهة والظروف المحيطة بها.
مالي.. الاستفادة من استنزاف الخصوم
من منظور عسكري، يوفر الاقتتال بين النصرة وتنظيم الدولة فرصة محتملة للقوات المالية، إذ يضطر الطرفان إلى تخصيص جزء من مواردهما البشرية واللوجستية لحماية مناطق نفوذهما ومواجهة المنافس، بدلًا من تركيز هذه الموارد على العمليات ضد القوات الحكومية.
ويؤدي استمرار المواجهات إلى احتمال تراجع القدرة على تنفيذ هجمات متزامنة، فضلًا عن استنزاف المقاتلين والعتاد، وإرباك خطوط الإمداد، وفرض ضغوط إضافية على القيادات الميدانية في التنظيمين.
لكن الاستفادة من هذا الوضع ليست تلقائية. فوجود خصمين منشغلين بقتال بعضهما لا يعني بالضرورة أن الجيش المالي أصبح في موقع أقوى، ما لم يتمكن من تحويل هذا الانشغال إلى مكاسب ميدانية ملموسة، سواء عبر استعادة مواقع استراتيجية، أو تعزيز السيطرة على الطرق والمحاور، أو تقليص قدرة الجماعات المسلحة على التحرك.
كما أن نتائج الاقتتال قد تأتي بعكس المصالح الحكومية إذا تمكن أحد التنظيمين من حسم المواجهة لصالحه، ثم استثمر تفوقه في توسيع نطاق نفوذه والسيطرة على مناطق جديدة.
وعليه، فإن المصلحة العسكرية لمالي لا تكمن في مجرد استمرار الصراع بين التنظيمين، بل في قدرتها على استثمار نتائجه ومنع الطرف الأكثر استفادة منه من إعادة بناء قدراته وتوسيع نشاطه.
جبهة تحرير أزواد أمام معادلة أكثر تعقيدًا
بالنسبة إلى جبهة تحرير أزواد، قد يؤدي استمرار الصراع بين النصرة وتنظيم الدولة إلى إضعاف أحد مصادر الدعم الميداني التي يمكن أن تستفيد منها في مواجهة القوات المالية.
فإذا اضطرت النصرة إلى إعادة توزيع مقاتليها ومواردها لمواجهة تنظيم الدولة، فقد تتراجع قدرتها على المشاركة في عمليات مشتركة أو تقديم إسناد للجبهة في مناطق أخرى. وقد يفرض ذلك على قيادة أزواد إعادة تقييم حساباتها العسكرية، خصوصًا إذا تزامن تراجع الدعم مع استمرار الضغط الحكومي.
لكن هذا الاحتمال لا يعني أن الجبهة ستكون بالضرورة الخاسر الأكبر. فقد يمنحها انشغال النصرة فرصة لتعزيز استقلالية قرارها العسكري، وإعادة ترتيب أولوياتها، وتجنب الارتهان لقوة مسلحة تختلف معها في الأهداف النهائية.
وهنا يبرز التناقض الاستراتيجي في العلاقة بين الطرفين: فالتعاون الميداني قد يكون مفيدًا في مواجهة خصم مشترك، لكنه لا يلغي اختلاف المشاريع السياسية، ولا يضمن استمرار المصالح المتبادلة عندما تتغير موازين القوة.وبالتالي، فإن مستقبل العلاقة بين الجبهة والنصرة لن يتحدد فقط بنتائج المواجهات مع الجيش المالي، بل أيضًا بمدى قدرة كل طرف على الحفاظ على استقلالية قراره وتحقيق أهدافه الخاصة.
هل تتعمد القوات المالية ترك التنظيمين يقتتلان؟
في ضوء هذه المعطيات، يبرز تساؤل بشأن احتمال أن تستفيد القوات المالية من المواجهات بين النصرة وتنظيم الدولة، عبر ترك الطرفين يستنزفان بعضهما والتركيز على أهداف أخرى في جبهات مختلفة.
وقد اكتسب هذا التساؤل أهمية في ضوء المواجهات التي أُبلغ عن وقوعها في المنطقة الحدودية يوم 13 أكتوبر 2026، بالتزامن مع تقارير عن استهداف القوات المالية هدفًا آخر في منطقة بيليدوغو جنوب البلاد.
غير أن تزامن الحدثين لا يكفي لإثبات أن الجيش المالي يتبع استراتيجية متعمدة لترك التنظيمين يتقاتلان. فمن الممكن أن يكون ذلك انعكاسًا لتوزيع العمليات العسكرية على جبهات متعددة، أو لترتيب الأولويات وفق المعلومات والقدرات المتاحة.
ومع ذلك، فإن استفادة الجيش من الاقتتال القائم تظل احتمالًا منطقيًا من منظور الحسابات العسكرية، حتى في غياب دليل على أنه تسبب فيه أو قرر السماح باستمراره عمدًا.
والتمييز هنا ضروري بين استغلال فرصة فرضتها ظروف الميدان، وبين وجود خطة عسكرية مسبقة تهدف إلى استنزاف التنظيمين بصورة غير مباشرة. فإثبات الاحتمال الثاني يتطلب مؤشرات إضافية على طبيعة القرارات العملياتية وأولويات الانتشار والتحرك.
التقدير الاستراتيجي:-
تكشف المواجهات بين النصرة وتنظيم الدولة عن معادلة تتجاوز حدود التنافس بين جماعتين مسلحتين. فاستمرار الاقتتال قد يمنح القوات المالية فرصة لتخفيف الضغط العسكري، لكنه قد يفضي أيضًا إلى إعادة تشكيل خريطة النفوذ في المنطقة، بما يتيح لأحد التنظيمين توسيع حضوره على حساب الآخر.
أما جبهة تحرير أزواد، فتواجه اختبارًا يتعلق بقدرتها على الفصل بين احتياجاتها العسكرية الآنية ومشروعها السياسي المستقل. فالاستفادة من الدعم الميداني للنصرة قد تحقق مكاسب مؤقتة، لكنها قد تتحول إلى نقطة ضعف إذا أدى الصراع بين التنظيمات المسلحة إلى تراجع هذا الدعم أو فرض قيود على حرية قرار الجبهة.
وتبقى النتيجة النهائية مرتبطة بثلاثة متغيرات رئيسية: حجم الاستنزاف الذي سيتعرض له التنظيمان، وقدرة القوات المالية على استغلال الفرص الميدانية، ومدى استقلالية جبهة تحرير أزواد عن التوازنات التي تفرضها الجماعات المسلحة الأخرى.
ونختم بالقول ، أن اقتتال النصرة وتنظيم الدولة قد يمثل فرصة للجيش المالي ومصدر قلق لجبهة تحرير أزواد، لكنه لا يشكل انتصارًا تلقائيًا للدولة. فالمكاسب الحقيقية لن تتحدد بمجرد انشغال الخصوم ببعضهم، بل بقدرة الأطراف المختلفة على تحويل نتائج الصراع إلى نفوذ عسكري وسياسي مستدام.
