نشر تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل (EIS) صوراً ومشاهد مصورة قال إنها توثق المواجهات المسلحة التي دارت بين مقاتليه وعناصر جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM)، بالقرب من قرية غاناداور، التابعة لإقليم أودالان في منطقة الساحل شمالي بوركينا فاسو، مشيراً إلى أن الاشتباكات استمرت لعدة أسابيع ضمن موجة التصعيد العسكري بين التنظيمين في المناطق الحدودية المشتركة بين بوركينا فاسو ومالي والنيجر.
ويأتي نشر هذه المواد الدعائية في سياق المواجهات العنيفة التي شهدتها المنطقة منذ أغسطس 2026، والتي تصاعدت بصورة ملحوظة خلال سبتمبر وأكتوبر، مع انتقال الصراع من اشتباكات متفرقة إلى مواجهات واسعة شارك فيها مئات المقاتلين، وفق تقارير إعلامية ومتابعات أمنية متخصصة.
غاناداوري.. نقطة اشتعال في الصراع بين التنظيمين:
تكتسب المواجهات في محيط غاناداوري أهمية خاصة بسبب موقعها الجغرافي في إقليم أودالان، الذي يشكل جزءاً من المجال الحدودي الممتد بين شمال بوركينا فاسو وشرق مالي وغرب النيجر.
وفي 9 أكتوبر الماضي، شهدت المنطقة واحدة من أبرز المواجهات المعلنة بين الطرفين، حيث أعلن تنظيم الدولة الإسلامية أنه تصدى لهجوم واسع شنته جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، مدعياً قتل نحو 400 من مقاتلي الجماعة والاستيلاء على أسلحة ومركبات ودراجات نارية.
غير أن هذه الحصيلة لم تخضع لتأكيد مستقل، كما أشارت تقارير متخصصة إلى احتمال وقوع خسائر كبيرة في صفوف الطرفين، بما في ذلك سقوط قيادات ميدانية من تنظيم الدولة الإسلامية. وكانت المواجهات قد امتدت أيضاً إلى محيط تيسيت في الأراضي المالية، بما يعكس اتساع نطاق الصراع خارج حدود منطقة واحدة.
خلفيات الصراع.. تنافس على النفوذ والموارد:-
لا تقتصر المواجهة بين التنظيمين على الاختلافات العقائدية والتنظيمية بين المرجعيتين المرتبطتين بتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية، وإنما ترتبط بصورة مباشرة بالتنافس على السيطرة الجغرافية ومناطق التجنيد والموارد الاقتصادية وشبكات الإمداد. فإقليم أودالان يمثل منطقة ذات أهمية اقتصادية وأمنية، نظراً لوجود أنشطة التعدين الأهلي والذهب، فضلاً عن طرق الحركة التجارية والرعوية التي تربط شمال بوركينا فاسو بالمناطق الشرقية من مالي وغرب النيجر.
وتوفر السيطرة على هذه المساحات للتنظيمات المسلحة إمكانية فرض الجبايات على السكان والأنشطة الاقتصادية، والتحكم في حركة الأفراد والبضائع، فضلاً عن استغلال الموارد المحلية في تمويل أنشطتها. وبالتالي، فإن المواجهة الحالية تعكس صراعاً على المجال الحيوي لكل تنظيم، وليس مجرد خلاف أيديولوجي أو ردود فعل انتقامية متبادلة.
الحسابات العسكرية وموازين القوة:-
تشير تقديرات أممية نقلتها تقارير إعلامية إلى أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تمتلك انتشاراً بشرياً وجغرافياً أوسع، مع تقديرات تتراوح بين 7 آلاف و8 آلاف مقاتل، مقابل نحو ألفي مقاتل لتنظيم الدولة الإسلامية في الساحل.
لكن الفارق العددي لا يعني بالضرورة تفوقاً حاسماً في جميع مسارح العمليات، إذ يمتلك تنظيم الدولة الإسلامية قدرة على تركيز قواته في مناطق محددة، مستفيداً من قواعد نفوذه في محيط ميناكا المالية ومناطق من إقليم تيلابيري النيجري.
وفي المقابل، تتمتع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بشبكات انتشار أوسع في مالي وبوركينا فاسو، وقدرة على حشد مقاتلين من مناطق متعددة، وهو ما يجعل استمرار المواجهة مرشحاً لاستنزاف الطرفين دون ضمان تحقيق حسم عسكري سريع.
دلالات نشر المشاهد المصورة:-
يحمل نشر تنظيم الدولة الإسلامية لهذه المشاهد عدة دلالات إعلامية وتنظيمية:
1. محاولة إثبات الحضور الميداني وإظهار القدرة على مواجهة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في مناطق نفوذها التقليدية.
2. توظيف الخسائر التي تكبدتها الجماعة المنافسة في الحرب الدعائية، بهدف إضعاف صورتها أمام مقاتليها والبيئات المحلية التي تسعى إلى استقطابها.
3. تعزيز معنويات المقاتلين وإظهار أن التنظيم لا يزال يمتلك القدرة على خوض مواجهات واسعة رغم الضغوط العسكرية التي تعرض لها خلال الفترة الماضية.
4. توجيه رسائل إلى العناصر المترددة أو المنشقّة عن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، في محاولة لاستثمار التنافس الداخلي والانشقاقات في توسيع قاعدة التجنيد.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين نشر المشاهد المصورة وإثبات نتائج المعارك؛ فالصور وحدها لا تثبت حجم الخسائر المعلنة ولا تؤكد السيطرة المستدامة على المناطق المتنازع عليها.
الانعكاسات على النيجر ومنطقة الساحل:-
يمثل التصعيد في أودالان تطوراً ذا أهمية مباشرة با!لنسبة للنيجر، خصوصاً أن إقليم تيلابيري يشكل امتداداً جغرافياً وأمنياً للمجال الذي تنشط فيه الجماعات المسلحة على الحدود الثلاثية.
كما أن استمرار المواجهة قد يؤدي إلى تحركات جديدة للمقاتلين بين مناطق ميناكا وتيسيت وأودالان وتيلابيري، سواء بهدف تعزيز المواقع أو إعادة تنظيم الانتشار بعد الخسائر.
ومن المهم أيضاً مراقبة احتمال انتقال آثار الصراع إلى المجتمعات الحدودية، من خلال النزوح والتهديدات والاتهامات بالتعاون مع أحد الطرفين، فضلاً عن احتمال استغلال الجماعات المسلحة الفراغات الأمنية الناتجة عن انشغال كل طرف بمواجهة الآخر.
التقدير الأمني :-
تكشف المواجهات في غاناداوري عن مرحلة أكثر حدة في الصراع بين تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، حيث بات التنافس على السيطرة والنفوذ في المناطق الحدودية يأخذ طابعاً عسكرياً مفتوحاً.
ورغم أن المواجهات البينية قد تؤدي مؤقتاً إلى تخفيف الضغط على القوات الحكومية في بعض المناطق، فإن ذلك لا يعني بالضرورة تراجع التهديد الإرهابي؛ إذ يمكن أن يستغل أحد التنظيمين انشغال الآخر لإعادة ترتيب انتشاره وتوسيع نفوذه.
والأخطر أن استمرار هذه الحرب قد يؤدي إلى إعادة رسم مناطق النفوذ المسلحة في المثلث الحدودي، بما يفرض تحديات أمنية إضافية على دول تحالف الساحل الثلاث.
المؤشر الأهم خلال المرحلة المقبلة: ليس عدد القتلى الذي يعلنه كل تنظيم، وإنما قدرة أحد الطرفين على تحويل المكاسب العسكرية المؤقتة إلى سيطرة جغرافية مستدامة، وتأمين طرق الحركة والتمويل والتجنيد.
ملاحظة : المواجهات في غاناداوري ليست حادثة جديدة مستقلة عن التصعيد السابق، بل تمثل جزءاً من معركة أوسع بدأت تتبلور منذ أغسطس 2026. وقد تناولت تقارير TV5MONDE وLe Monde ووكالة Fides هذه المواجهات، مع التأكيد على عدم إمكانية التحقق المستقل من الأرقام التي يعلنها التنظيمان.
