أعلنت القوات المسلحة المالية، عبر مديرية الإعلام والعلاقات العامة للقوات المسلحة، المعروفة اختصاراً باسم DIRPA، عن حصيلة عملياتية للفترة الممتدة من مايو إلى 20 أكتوبر 2026، تضمنت تحييد أكثر من 4880 مقاتلاً من الجماعات المسلحة، وتدمير 162 قاعدة وموقعاً عسكرياً، إلى جانب مئات المركبات وآلاف الدراجات النارية، وفقاً للأرقام التي أوردها التقرير العسكري.
وتأتي هذه الحصيلة في سياق استمرار العمليات العسكرية على عدة جبهات، مع تركيز خاص على شمال البلاد، ولا سيما منطقة كيدال، بالتوازي مع تكثيف الجهود الرامية إلى حماية الطرق الاستراتيجية وضمان وصول الوقود والسلع الأساسية إلى العاصمة باماكو.
كيدال في صدارة الأولويات العسكرية:-
تُعد كيدال إحدى أبرز نقاط التنافس العسكري والسياسي في شمال مالي، نظراً إلى موقعها الاستراتيجي وارتباطها بشبكات الحركة عبر الصحراء، فضلاً عن رمزيتها بالنسبة إلى السلطات المالية والجماعات المسلحة الناشطة في المنطقة.
ووفقاً للتقرير، شكّلت عودة القوات المسلحة المالية إلى كيدال، عقب العملية التي بدأت في 6 أكتوبر، أحد أبرز التطورات العسكرية خلال الفترة المشمولة بالحصيلة. وفي 10 و11 أكتوبر، أجرى رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة زيارة ميدانية ركزت، بحسب الرواية الرسمية، على تهيئة الظروف اللازمة لعودة السكان والإدارة والخدمات الاجتماعية الأساسية بصورة تدريجية. لكن الوجود العسكري لا يعني بالضرورة استعادة السيطرة المستدامة على كامل المنطقة المحيطة بالمدينة. ويتطلب ذلك تأمين الطرق المؤدية إليها، وحماية المنشآت الحكومية، واستمرار الإمدادات، ومنع الجماعات المسلحة من إعادة الانتشار في المناطق الريفية والصحراوية المجاورة.
العمليات الجوية والضغط على الجماعات المسلحة:-
أفادت هيئة الأركان بتنفيذ 1887 مهمة استطلاع ومراقبة جوية بين مايو وسبتمبر، إلى جانب 791 غارة جوية خلال الفترة نفسها، فضلاً عن تسجيل 65 غارة إضافية بين 1 و20 أكتوبر.
وتشير هذه الأرقام، إذا صحت، إلى اعتماد الجيش على الاستطلاع الجوي والضربات الجوية ضمن استراتيجية تستهدف رصد تحركات الجماعات المسلحة وضرب مواقعها ومركباتها، خصوصاً في المناطق التي يصعب على القوات البرية الوصول إليها بصورة مستمرة.
كما أعلن الجيش تدمير 315 شاحنة صغيرة ونحو 1300 دراجة نارية، وهي وسائل نقل تُستخدم على نطاق واسع في التحركات العسكرية واللوجستية داخل المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية.
ومع ذلك، فإن حجم الخسائر المعلن لا يكفي وحده لقياس التراجع الفعلي في قدرات الجماعات المسلحة؛ إذ يتطلب ذلك معرفة طبيعة الأهداف التي جرى استهدافها، ومدى تكرار الخسائر المعلنة، وقدرة الجماعات على تعويض الأفراد والمعدات وإعادة تنظيم صفوفها.كما أن مصطلح «تحييد» لا يحدد بالضرورة عدد القتلى، لأنه قد يشمل، بحسب السياق العسكري المستخدم، القتل أو الإصابة أو إخراج المقاتلين من الخدمة بوسائل أخرى. ولذلك لا ينبغي التعامل مع الرقم الإجمالي باعتباره حصيلة مؤكدة للقتلى دون تفصيل رسمي إضافي.
ثلاث جبهات عملياتية:-
أولاً: الجبهة الشرقية والشمالية
تركزت العمليات في مناطق غاو وميناكا وكيدال، إلى جانب محاور استراتيجية أخرى في شمال مالي. وتكتسب هذه المناطق أهميتها من اتساع المجال الصحراوي، وصعوبة مراقبة الطرق والمسالك، وتعدد الجماعات المسلحة وتداخل مناطق نشاطها.
وتواجه القوات المالية تحدياً مزدوجاً يتمثل في الحفاظ على وجودها داخل المراكز الحضرية، ومنع الجماعات المسلحة من استخدام المناطق المحيطة بها لشن الهجمات أو قطع طرق الإمداد.وفي هذا السياق، تمثل كيدال اختباراً لقدرة الجيش على الانتقال من استعادة المواقع إلى تثبيت السيطرة وتأمين المجال المحيط بها.
ثانياً: الجبهة الوسطى
شملت العمليات مناطق سيغو وسان وموبتي وباندياغارا ودونتزا وتمبكتو وتاوديني، حيث أعلن الجيش إخراج أكثر من 200 مقاتل من الخدمة، وتدمير عشر مركبات و95 دراجة نارية خلال العمليات الأخيرة. وتتميز هذه الجبهة بتداخل التهديدات الأمنية مع حركة السكان والتجارة والأنشطة الزراعية والرعوية، ما يجعل السيطرة على الطرق والبلدات عاملاً مهماً في الحد من قدرة الجماعات المسلحة على الحركة والتمدد.ولا تقتصر أهمية العمليات في الوسط على الخسائر المباشرة، بل تشمل مدى قدرة القوات على حماية التجمعات السكانية، واستمرار النشاط الاقتصادي، والحد من الهجمات على القوافل والمواقع العسكرية.
ثالثاً: الجبهة الجنوبية
أشار التقرير إلى استمرار العمليات في المناطق الحرجية والسلاسل الجبلية التي يقول الجيش إن الجماعات المسلحة تستخدمها ملاجئ ومناطق لإعادة الانتشار. ويعكس ذلك اتساع نطاق العمليات خارج الشمال والوسط، في ظل سعي القوات المالية إلى منع الجماعات المسلحة من استغلال التضاريس الوعرة لتجنب المراقبة الجوية والعمليات البرية.
ممرات الوقود والإمداد: البعد الاقتصادي للعمليات:-
يمثل تأمين طرق الإمداد أحد المحاور الرئيسية في الخطة العسكرية المالية، خصوصاً في ظل تعرض الطرق التجارية وقوافل الوقود لهجمات متكررة.
ووفقاً للأرقام الواردة في التقرير، رافقت القوات الأمنية 2556 شاحنة صهريجية خلال سبتمبر على محور كاديانا–باماكو، بهدف ضمان استمرار إمدادات الوقود إلى العاصمة.كما أعلن الجيش عن مرافقة 3681 شاحنة صهريجية خلال أغسطس على طرق مختلفة، فيما سجل أكثر من 15 ألف حركة لشاحنات صهريجية، محملة وفارغة، برفقة قوات الأمن خلال يونيو ويوليو.وتكشف هذه الأرقام عن حجم الموارد الأمنية واللوجستية التي تتطلبها حماية حركة الوقود. فالمرافقة العسكرية لا تقتصر على حماية السائقين والشاحنات، بل ترتبط باستمرارية النشاط الاقتصادي، وتوفير الطاقة للنقل والخدمات، وتقليل احتمالات تعطل الأسواق. لكن الاعتماد المستمر على القوافل المحمية عسكرياً قد يفرض عبئاً كبيراً على القوات، خصوصاً إذا استدعت الظروف تخصيص وحدات لحماية الطرق بصورة متكررة وعلى مسافات طويلة. وتصبح فعالية هذه الاستراتيجية مرتبطة بقدرة الجيش على تقليل الحاجة إلى المرافقة المباشرة تدريجياً، من خلال تأمين المحاور الرئيسية ومراقبتها، وتعزيز الاستجابة السريعة للهجمات، وحماية النقاط الحساسة على امتداد الطرق.
تعزيز القوات المسلحة:-
أشار التقرير أيضاً إلى استمرار تعزيز القوات المسلحة من خلال ضم ضباط صف ومجندين جدد، إلى جانب شباب يؤدون الخدمة الوطنية.
ويهدف توسيع القوة البشرية إلى دعم الانتشار العسكري وتوفير الأفراد اللازمين للعمليات المتزامنة في الشمال والوسط والجنوب، فضلاً عن مهام حماية المنشآت والطرق.غير أن زيادة عدد الأفراد لا تعني تلقائياً تحسناً متناسباً في القدرة القتالية؛ إذ يعتمد ذلك أيضاً على التدريب والتجهيز والقيادة والاتصالات والإمداد، فضلاً عن قدرة القوات على الاحتفاظ بالأفراد ذوي الخبرة.
التقدير الأمني :-
1. استعادة المواقع مقابل تثبيت السيطرة
يمثل تعزيز الوجود العسكري في كيدال تطوراً مهماً وفق الرواية الرسمية، لكن التحدي الرئيسي يتمثل في الحفاظ على هذا الوجود ومنع الجماعات المسلحة من إعادة الانتشار في محيط المدينة وعلى الطرق المؤدية إليها. وستكون استمرارية الإمدادات وعودة الخدمات والمؤسسات المدنية مؤشرات مهمة على مدى ترسخ السيطرة.
2. استمرار التهديد على المحاور الاقتصادية
تكشف أرقام مرافقة شاحنات الوقود عن أولوية حماية الاقتصاد وخطوط الإمداد. وفي المقابل، فإن الحاجة المتكررة إلى المرافقة العسكرية تشير إلى استمرار التحديات الأمنية على الطرق. ولا يمكن تحديد مستوى التحسن الفعلي دون بيانات عن الهجمات على القوافل، والخسائر، وفترات انقطاع حركة النقل.
3. قراءة حذرة للحصيلة العسكرية
تعكس الأرقام المعلنة حجم النشاط العملياتي الذي ينسبه الجيش إلى قواته، لكنها لا توفر وحدها صورة مستقلة عن حجم الخسائر الفعلية للجماعات المسلحة أو مدى تراجع قدرتها على شن الهجمات. ويتطلب التقييم المقارنة مع مصادر مستقلة ورصد التطورات الميدانية خلال الفترة نفسها.
4. اتساع نطاق العمليات يفرض تحديات لوجستية
تنفيذ عمليات متزامنة في الشمال والوسط والجنوب، مع حماية قوافل الوقود والمواقع الحيوية، يتطلب توزيعاً دقيقاً للقوات والموارد. وقد تصبح القدرة على الاستمرار في العمليات والإمداد والحفاظ على الجاهزية عاملاً حاسماً في تحديد نتائج الاستراتيجية العسكرية.
و تتمحور الاستراتيجية العسكرية المالية، وفق التقرير، حول ثلاثة أهداف مترابطة: تعزيز الوجود في كيدال، ومواصلة الضغط الجوي والبري على الجماعات المسلحة، وحماية ممرات الإمداد الاقتصادي، خصوصاً طرق الوقود إلى باماكو. ويظل الاختبار الأساسي هو قدرة القوات المسلحة على تحويل الحصيلة العملياتية المعلنة إلى سيطرة أمنية مستدامة، وحماية حركة السكان والتجارة، والحد من قدرة الجماعات المسلحة على إعادة تنظيم صفوفها وتهديد الطرق الاستراتيجية.
