نقلاً عن صحيفة براون لاند السودانية
لم يعد تفشي فيروس إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية مجرد موجة وبائية أخرى يمكن احتواؤها بإجراءات الطوارئ التقليدية. فالتطورات المتسارعة خلال الأسابيع الأخيرة تشير إلى أن البلاد تواجه واحدة من أخطر مراحل التفشي، في وقت تتقاطع فيه عدة عوامل تجعل السيطرة على الفيروس أكثر صعوبة: مناطق نائية، صراع مسلح، حركة نزوح واسعة، ضعف البنية الصحية، وتدفق مستمر للسكان عبر طرق التجارة والتنقل المحلية.
وبحسب أحدث البيانات، تجاوز عدد الحالات المؤكدة في الكونغو الديمقراطية 4,600 حالة، فيما تخطت الوفيات 2,100 وفاة. والأخطر أن الفيروس لم يعد محصوراً في بؤره الأولى، بعدما وصل إلى إقليم باس-أويلي في شمال شرق البلاد، ليصبح عدد الأقاليم المتأثرة ستة.
بداية متأخرة وراء أرقام متسارعة:-
أحد أهم مفاتيح فهم الوضع الحالي أن الإعلان الرسمي عن التفشي في مايو لا يعني أن الفيروس بدأ الانتشار في ذلك الشهر.
تحقيقات وبائية وتحاليل جينية أشارت إلى أن الفيروس كان ينتشر قبل الإعلان الرسمي بفترة، وربما منذ فبراير، بينما جرى تشخيص بعض الحالات الأولى على أنها أمراض أخرى مثل الملاريا والتيفوئيد. هذا التأخر منح الفيروس وقتاً ثميناً للانتقال من شخص إلى آخر قبل أن تبدأ عمليات العزل والتتبع بصورة واسعة.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية في مواجهة الإيبولا، الأيام الأولى ليست تفصيلاً. كل يوم يمر دون اكتشاف الحالة يعني احتمال ظهور سلسلة جديدة من المخالطين، خصوصاً في المناطق التي تنتقل فيها الأسر بين القرى والمدن أو تعبر فيها طرق التجارة والأسواق.
لماذا يبدو هذا التفشي مختلفاً؟
الخطورة لا ترتبط فقط بعدد الوفيات، وإنما بسرعة انتشار العدوى واتساع رقعتها الجغرافية.
في منتصف يوليو، كانت منظمة الصحة العالمية قد سجلت أكثر من ألفي حالة مؤكدة في الكونغو الديمقراطية، موزعة على 46 منطقة صحية وخمس مقاطعات. وخلال فترة قصيرة ارتفع العدد بصورة كبيرة، قبل أن يصل التفشي إلى باس-أويلي.
وتقول منظمة الصحة العالمية إن التفشي يحدث في بيئة شديدة التعقيد، تجمع بين الأزمة الإنسانية وانعدام الأمن وارتفاع حركة السكان والتجارة. وهذه العوامل تجعل مهمة تتبع المخالطين، وهي واحدة من أهم أدوات كسر سلسلة العدوى، أكثر صعوبة.
والأخطر أن تقارير حديثة تشير إلى أن نسبة كبيرة من الحالات الجديدة تظهر خارج سلاسل المخالطة المعروفة. وهذا يعني عملياً أن فرق الاستجابة لا تستطيع دائماً معرفة مصدر العدوى أو الأشخاص الذين تعرضوا لها، وهو ما يفتح الباب أمام استمرار انتقال الفيروس في المجتمع.
السلالة نفسها تزيد من صعوبة الواجهة:-
التفشي الحالي مرتبط بفيروس بونديبوغيو، وهو نوع نادر من فيروسات الإيبولا.
وتكمن المشكلة في أن هذه السلالة لا يتوفر لها حالياً لقاح أو علاج نوعي معتمد على نطاق واسع، في وقت تجري فيه تجارب سريرية على لقاحات وعلاجات جديدة.
وهذا لا يعني أن المصاب لا يمكن إنقاذه؛ فالرعاية الداعمة والعلاج المبكر يمكن أن يكونا حاسمين. لكن غياب أداة وقائية وعلاجية نوعية جاهزة يجعل المعركة تعتمد بدرجة أكبر على السرعة: اكتشاف المريض، عزله، علاجُه، معرفة مخالطيه، ومراقبتهم قبل ظهور الأعراض.
الحرب تساعد الفيروس من دون أن تطلق رصاصة واحدة:-
شرق الكونغو ليس بيئة صحية مستقرة.
وجود الجماعات المسلحة والنزاع الممتد في أجزاء من المنطقة يعني أن الوصول إلى بعض القرى والمراكز السكانية قد يكون صعباً أو خطراً. كما أن حركة النازحين والسكان الباحثين عن الأمن أو العمل تضيف طبقة أخرى من التعقيد.
وفي بعض المناطق، لا تكمن المشكلة في غياب المستشفى فقط، بل في صعوبة وصول العامل الصحي إليه أصلاً.
وتشير تقارير حديثة إلى إضرابات ومشكلات تتعلق بأجور العاملين الصحيين، إلى جانب تهديدات أمنية ومعلومات مضللة وصعوبات في النقل والاتصالات.
وهكذا يصبح المرض جزءاً من أزمة أكبر: عندما تضعف الدولة بسبب الحرب، تضعف معها قدرة النظام الصحي على اكتشاف المرض قبل أن يتحول إلى وباء.
الذهب وحركة السكان.. عامل لا ينبغي تجاهله:-
هناك عامل آخر يستحق الانتباه، وهو النشاط الاقتصادي وحركة السكان في المناطق المتأثرة.
توجد في شرق الكونغو مناطق تعتمد على التعدين، خصوصاً الذهب، وتتحرك إليها مجموعات كبيرة من العمال والتجار والسكان بصورة مستمرة. وفي بيئة ينتشر فيها النزوح والصراع، تصبح مراقبة حركة الأشخاص أكثر صعوبة.
ولا يعني ذلك أن التعدين هو سبب تفشي الإيبولا، لكن حركة العمال والتجار بين المناطق البعيدة يمكن أن تصبح جسراً محتملاً لانتقال العدوى إذا لم تكن أنظمة المراقبة الصحية قادرة على مواكبة هذه الحركة.
وتشير تقارير حديثة بالفعل إلى أن حركة السكان المرتبطة بالتعدين والعنف في المناطق المجاورة تزيد صعوبة السيطرة على التفشي.
الحدود هي نقطة القلق التالية:-
أخطر ما في المشهد الحالي أن الكونغو الديمقراطية ليست جزيرة معزولة.
البلاد تتشارك حدوداً طويلة مع دول عديدة، من بينها أوغندا وجنوب السودان ورواندا، وتشهد هذه المناطق حركة مستمرة للسكان والتجارة.
وقد سبق تسجيل حالات مرتبطة بالتفشي في أوغندا، بينما ظهرت حالات مرتبطة بالكونغو في دول أوروبية نتيجة نقل مرضى أو عاملين صحيين للعلاج. وهذا يوضح أن التعامل مع الوباء لم يعد قضية كونغولية داخلية فقط.
ومن هنا تصبح مراقبة المعابر الرسمية وغير الرسمية، ورفع جاهزية الدول المجاورة، وتبادل المعلومات الوبائية بسرعة، أموراً ضرورية لمنع تحول التفشي إلى أزمة إقليمية.
لماذا الحديث عن “وفاة كل 30 دقيقة” مهم؟
تحذير الأمم المتحدة من أن شخصاً يموت كل 30 دقيقة يعطي صورة صادمة عن سرعة الخسائر، لكنه يجب أن يُقرأ في سياقه باعتباره توصيفاً للوتيرة التي تحدث بها الوفيات وفق المعطيات التي عرضها المسؤول الأممي، وليس بالضرورة مؤشراً ثابتاً يستمر بنفس المعدل كل ساعة.
لكن حتى مع اختلاف طرق احتساب الأرقام وتحديثها، فإن الاتجاه العام واضح: الوباء يتقدم بسرعة تفوق قدرة الاستجابة الحالية على احتوائه بالكامل.
وهذه هي النقطة التي يجب أن تقلق المجتمع الدولي.
السيناريو الأخطر::
إذا استمر انتشار الفيروس في مناطق جديدة، خصوصاً المناطق الحدودية والمكتظة، فقد تنتقل الأزمة من تفشٍّ واسع داخل الكونغو إلى مشكلة صحية إقليمية.
أما السيناريو الأقل سوءاً فيعتمد على قدرة السلطات الكونغولية وشركائها الدوليين على توسيع مراكز العلاج، وتسريع التشخيص، وضمان دفن آمن للضحايا، وتعزيز فرق تتبع المخالطين، وإعادة الثقة بين السكان والفرق الصحية.
منظمة الصحة العالمية نفسها تركز على هذه العناصر، إلى جانب إشراك المجتمعات المحلية، لأن مكافحة الإيبولا لا تنجح بالقرارات الحكومية وحدها.
أصبح المشهد في الكونغو الديمقراطية يثبت مرة أخرى أن الأوبئة لا تنتشر في الفراغ.
الفيروس وجد أمامه مناطق فقيرة، وسكاناً يتحركون هرباً من الحرب أو بحثاً عن العمل، وطرقاً تجارية طويلة، ومراكز صحية محدودة، ومعلومات مضللة، ومناطق يصعب الوصول إليها أمنياً.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست فقط ضد فيروس الإيبولا، وإنما ضد البيئة التي تسمح له بالانتشار.
إذا نجحت السلطات وشركاؤها في الوصول إلى المناطق البعيدة، واستعادة ثقة السكان، وتوفير العلاج والمراقبة والموارد، يمكن كسر سلسلة العدوى.
أما إذا تأخرت الاستجابة مرة أخرى، فقد لا تبقى أرقام الوفيات داخل حدود الكونغو.
فالدرس الذي يفرضه المشهد اليوم بسيط وقاسٍ في الوقت نفسه: عندما يتحرك الفيروس أسرع من فرق الاستجابة، تصبح المسافة بين قرية موبوءة وأزمة إقليمية قصيرة جداً.
