بقلم حسن يوسف زرما مراسل براون لاند
قراءة استراتيجية في التحرك الجزائري بين باماكو ونيامي
تتحرك الجزائر، وفق معلومات أوردها الصحفي سيرج دانيال، لإعادة تنشيط حضورها في الملف المالي، في وقت تشهد فيه منطقة الساحل إعادة تشكيل عميقة للتحالفات الأمنية والسياسية.
وبحسب هذه المعلومات، وجّهت الجزائر دعوة إلى رئيس الوزراء المالي لزيارة الجزائر، بالتزامن مع مساعٍ لطرح خطة سلام جديدة على السلطات المالية وعلى مجموعتين من الجماعات المسلحة. غير أن باماكو، وفق الرواية نفسها، لا تبدو في الوقت الراهن متحمسة للعودة إلى مسار وساطة تقوده الجزائر.
هذه المعطيات، إذا تأكدت، تعكس محاولة جزائرية لاستعادة موقعها كطرف قادر على التأثير في الأزمة المالية، بعد أن دخلت العلاقات بين الجزائر والسلطات المالية مرحلة توتر غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة.
الجزائر و«إعادة التموضع» في مالي:-
لا يمكن فصل أي تحرك جزائري جديد تجاه مالي عن الإرث السياسي لـ اتفاق الجزائر للسلام والمصالحة، الذي مثّل لسنوات الإطار الرئيسي لمعالجة التمرد المسلح في شمال مالي.
لكن باماكو اتخذت خلال المرحلة الأخيرة مساراً أكثر تشدداً تجاه الحركات المسلحة، وأنهت عملياً الإطار السياسي الذي قام عليه اتفاق الجزائر. ولذلك فإن طرح خطة سلام جديدة لن يكون مجرد استئناف لمسار قديم، بل سيتطلب إعادة تعريف كاملة للأطراف والضمانات والأهداف السياسية والأمنية.
وهنا تكمن الصعوبة الرئيسية أمام الجزائر: فباماكو أصبحت أكثر حساسية تجاه أي مبادرة يمكن أن تُفسَّر بأنها محاولة لإعادة تدويل الملف الداخلي أو منح الجماعات المسلحة موقعاً تفاوضياً لا ترغب السلطات المالية في الاعتراف به.
كما أن البيئة العسكرية في شمال مالي تغيرت بصورة كبيرة مقارنة بالفترة التي وُقّع فيها اتفاق الجزائر، مع بروز تشكيلات مسلحة جديدة وتغير موازين القوى على الأرض.
لماذا النيجر في الحسابات الجزائرية؟
الجزء الأكثر أهمية في الرواية هو ما يتعلق بالنيجر.
فبحسب المصدر نفسه، اتجهت الجزائر بالتوازي إلى تعزيز علاقاتها مع نيامي من خلال تقديم مساعدات وهدايا.
ومن منظور استراتيجي، فإن أهمية النيجر بالنسبة للجزائر تتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية.
فالبلدان يشتركان في حدود صحراوية طويلة، فيما تمثل منطقة الحدود الجزائرية-النيجرية إحدى أهم نقاط التماس بين الأمن المغاربي والأمن الساحلي.
كما أن النيجر أصبحت، بعد التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها منطقة الساحل، جزءاً أساسياً من المعادلة الجديدة التي تضم دول تحالف دول الساحل: مالي وبوركينا فاسو والنيجر.
وبالتالي فإن تعزيز العلاقات مع نيامي يمكن أن يمنح الجزائر قناة اتصال مباشرة مع أحد أهم مراكز القرار في التحالف الجديد.
من مالي إلى النيجر: تغيير في أدوات النفوذ:-
يمكن قراءة التحرك الجزائري المحتمل باعتباره انتقالاً من محاولة التأثير في الأزمة المالية مباشرة إلى بناء شبكة علاقات أوسع مع دول الساحل.
فالجزائر تواجه معادلة صعبة.
مالي أصبحت أكثر استقلالاً في قراراتها الأمنية والسياسية، وأكثر ارتباطاً بشراكات جديدة خارج المحور الغربي التقليدي.
وفي المقابل، النيجر أصبحت لاعباً مركزياً في تحالف دول الساحل، كما أن موقعها الجغرافي يجعلها دولة محورية في ملفات الحدود والهجرة والطاقة والأمن ومكافحة الجماعات المسلحة.
ومن هنا يمكن فهم الاهتمام الجزائري المتزامن بباماكو ونيامي باعتباره محاولة لبناء نفوذ إقليمي متوازن بدلاً من حصر الدور الجزائري في الوساطة المالية.
لماذا قد ترفض باماكو المبادرة؟
إذا صحت المعلومات المتعلقة بتحفظ باماكو، فإن ذلك يمكن تفسيره بعدة عوامل.
أولاً، ترى السلطات المالية أن معالجة التمرد يجب أن تتم في إطار السيادة الوطنية وليس من خلال ترتيبات سياسية تفرضها وساطة خارجية.
ثانياً، تغيرت موازين القوى منذ اتفاق الجزائر، وأصبحت الحكومة المالية أقل استعداداً لمنح الجماعات المسلحة امتيازات سياسية من خلال طاولة المفاوضات.
ثالثاً، فإن ظهور تحالفات مسلحة جديدة، وتداخل النشاط الانفصالي مع النشاط الجهادي، جعلا أي تسوية أكثر تعقيداً من مجرد اتفاق بين الحكومة والحركات المسلحة التقليدية.
وهذا يعني أن أي خطة جزائرية جديدة ستواجه سؤالاً جوهرياً.
من هم الأطراف الذين يمكن التفاوض معهم، وما الذي يمكن أن تقدمه باماكو دون أن تعتبره تنازلاً عن سيادتها؟
الجزائر أمام اختبار النفوذ في الساحل:-
الأهمية الاستراتيجية للتحرك المحتمل لا تتعلق بمالي وحدها.
فالجزائر تقع أمام بيئة إقليمية تتغير بسرعة. فرنسا فقدت جزءاً كبيراً من نفوذها العسكري والسياسي في الساحل، وروسيا وسعت حضورها، بينما تعمل دول المنطقة على بناء ترتيبات أمنية وسياسية مستقلة.
في هذه البيئة، تحتاج الجزائر إلى الحفاظ على موقعها كقوة إقليمية شمال الساحل، من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع تحالف دول الساحل.
ومن هنا قد يكون الانفتاح على النيجر مكملاً للمسعى تجاه مالي، وليس بديلاً عنه.
فالجزائر تستطيع، عبر علاقاتها مع نيامي، الحفاظ على قناة نفوذ داخل المجال الساحلي حتى في حال تعذر استعادة دور الوسيط في مالي.
البعد الأمني::
هناك أيضاً بعد أمني بالغ الأهمية.
إن استمرار الصراع في شمال مالي لا يمثل مشكلة مالية فقط، بل يخلق تداعيات مباشرة على أمن الحدود الجزائرية والنيجرية.
وكلما توسعت الجماعات المسلحة في مناطق شمال مالي، ازدادت احتمالات انتقال النشاط المسلح وشبكات التهريب والجريمة المنظمة نحو المناطق الحدودية.
لذلك فإن استقرار مالي والنيجر يصب مباشرة في الأمن القومي الجزائري.
وهذا يعطي الجزائر مصلحة استراتيجية في منع تحول منطقة الساحل إلى فضاء أمني منفلت، حتى لو اختلفت مع باماكو حول طبيعة الحل السياسي.
السيناريوهات المحتملة:-
يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
الأول: عودة الوساطة الجزائرية.
إذا تمكنت الجزائر من إقناع باماكو بجدوى المبادرة الجديدة، فقد تبدأ اتصالات غير مباشرة مع أطراف النزاع لإعادة بناء مسار سياسي جديد.
الثاني: استمرار تحفظ باماكو.
في هذه الحالة قد تركز الجزائر على تعزيز علاقتها بالنيجر ودول الساحل الأخرى، مع إبقاء قنوات الاتصال مع مالي مفتوحة.
الثالث: إعادة صياغة المبادرة.
وهو السيناريو الأكثر واقعية؛ إذ قد تضطر الجزائر إلى تعديل مفهوم الوساطة، بحيث لا تكون نسخة جديدة من اتفاق الجزائر السابق، وإنما إطاراً أمنياً وسياسياً أوسع يأخذ في الاعتبار التطورات الجديدة وظهور جماعات مسلحة مختلف.
من نستطيع القول إن التحرك الجزائري المحتمل تجاه مالي والنيجر يجب ألا يُقرأ باعتباره مجرد مبادرة سلام.
إنه، من منظور استراتيجي، قد يكون جزءاً من محاولة الجزائر إعادة بناء نفوذها في الساحل في مرحلة تشهد تراجع أدوار تقليدية وصعود تحالفات جديدة.
فإذا كانت باماكو غير مستعدة حالياً للعودة إلى الوساطة الجزائرية، فإن الجزائر تملك خياراً آخر: تعزيز موقعها في نيامي، والحفاظ على قنواتها مع مالي، وانتظار اللحظة السياسية المناسبة للعودة إلى طاولة الوساطة.
لكن نجاح هذا المسار سيعتمد على عامل أساسي: قدرة الجزائر على تقديم نفسها ليس كطرف يريد استعادة نفوذه القديم، وإنما كدولة قادرة على صياغة تسوية جديدة تتوافق مع واقع الساحل بعد انهيار الترتيبات السياسية والأمنية السابقة.
