تشير سلسلة من الوقائع الأمنية المسجلة خلال الفترة الأخيرة في مناطق مارادي، تيلابيري وديفا إلى أن التهديد الذي تواجهه النيجر لم يعد يتمثل فقط في الهجمات المباشرة على المواقع العسكرية، وإنما يتجه بصورة متزايدة نحو استنزاف المجتمعات الريفية والسيطرة على مواردها الاقتصادية وفرض بيئة أمنية تسمح للجماعات المسلحة بالتحرك بحرية نسبية.
وعند قراءة هذه الحوادث بصورة مترابطة، تظهر أربعة مسارات متوازية: نهب واسع للماشية، اختطاف المدنيين، استخدام الألغام ضد قوات الأمن، ومؤشرات على اختلال إدارة الموارد اللوجستية الأمنية.
أولًا: الماشية تتحول إلى أحد محاور اقتصاد الحرب
في مارادي، سجلت مناطق غيدان رومدجي ومادارونفا خلال الفترة بين 15 و21 أغسطس سلسلة عمليات استهدفت الماشية، تراوحت بين سرقة عشرات الرؤوس ووصول إحدى العمليات في ماي دوكوكي إلى نحو 100 رأس.
وفي محيط باليّارا، تكررت الصورة بصورة أكثر وضوحًا؛ إذ أفادت معلومات محلية بتوغل مسلحين في عدة قرى، حيث قاموا بتجميع الماشية داخل مجرى مائي ثم نقلوها باتجاه دامانا، دون تدخل أمني فعال وفق الرواية المتداولة.
هذه العمليات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد سرقة مواشٍ. ففي بيئة الساحل، تمثل الثروة الحيوانية أصلًا اقتصاديًا رئيسيًا، وبالتالي فإن الاستيلاء عليها يمكن أن يؤدي إلى ثلاثة أهداف في الوقت نفسه:
1. تمويل النشاط المسلح عبر بيع الحيوانات أو إعادة تدويرها في شبكات تجارية غير رسمية.
2. إضعاف السكان اقتصاديًا ودفعهم إلى الاعتماد على شبكات الحماية أو الوسطاء المسلحين.
3. إعادة تشكيل السيطرة المحلية من خلال حرمان المجتمعات من مواردها الأساسية.
وبذلك تصبح الماشية جزءًا من اقتصاد الحرب، وليس مجرد غنيمة.
ثانيًا: الاختطاف يتحول إلى أداة للسيطرة على السكان
في منطقة ديفا، أفادت المعلومات المتداولة باختطاف 21 مدنيًا، بينهم نساء وأطفال، قرب نغاغام، ثم اختطاف امرأة ومراهق يبلغ 15 عامًا في كينتشندي.
وتكتسب هذه العمليات أهميتها من تكرارها واستهدافها للمدنيين، وليس فقط من عدد المختطفين.
فالاختطاف في مناطق النزاع يمكن أن يؤدي وظائف متعددة، من بينها طلب الفدية، الحصول على معلومات، فرض النفوذ على المجتمعات المحلية، أو معاقبة السكان الذين يُشتبه في تعاونهم مع الدولة.
والأخطر هو أن تكرار الاختطاف في مناطق مختلفة يشير إلى وجود مساحات أمنية رخوة تستطيع الجماعات المسلحة استغلالها بصورة متكررة.
ثالثًا: الألغام ترفع تكلفة الانتشار العسكري
في منطقة دانكانو، تحدثت المعلومات عن مقتل ستة من أفراد قوات الأمن، بينهم أربعة في موقع انفجار لغم أرضي واثنان لاحقًا في المستشفى.
إذا تأكدت الواقعة، فإنها تحمل دلالة تكتيكية مهمة؛ فالألغام لا تحتاج إلى وجود المهاجم في موقع الهجوم، وتسمح باستنزاف القوات حتى أثناء عمليات الدوريات.
وهذا يفرض على القوات الأمنية تخصيص موارد إضافية للاستطلاع الهندسي، وكشف العبوات، وتأمين الطرق، وهو ما يؤدي إلى إبطاء الحركة العسكرية ورفع تكلفة العمليات.
وبالتالي فإن استخدام الألغام، إلى جانب الاختطاف ونهب الماشية، يشكل منظومة استنزاف متكاملة: استهداف القوات، وإضعاف السكان، واستنزاف الاقتصاد المحلي.
رابعًا: المشكلة الأكثر خطورة قد تكون في فجوة الاستجابة
في حادثة القرى الواقعة قرب باليّارا، تشير المعلومات إلى أن السكان حاولوا الاتصال بأرقام الطوارئ دون الحصول على استجابة.
وفي ديفا، جاءت عمليات الاختطاف في وقت كانت فيه قوات الدفاع والأمن تنفذ دوريات في قطاع كاولا منذ ثلاثة أيام.
وهنا يظهر فرق مهم بين وجود القوات والقدرة على توفير الأمن.
فالانتشار العسكري لا يعني بالضرورة السيطرة على المجال الجغرافي. وفي المناطق الريفية واسعة المساحة، تستطيع مجموعات صغيرة استغلال المسافات، والطرق غير المراقبة، والبيئة المحلية لتنفيذ عمليات قصيرة ثم الانسحاب قبل وصول القوات.
إذا استمرت هذه الفجوة، فإن السكان قد يبدأون تدريجيًا في فقدان الثقة في قدرة الدولة على حمايتهم، وهو تطور قد يدفع بعض المجتمعات إلى البحث عن ترتيبات أمنية بديلة.
خامسًا: الوقود واللوجستيات يمثلان الحلقة الخفية
تتزامن هذه التطورات مع تقرير صحفي يتضمن مزاعم حول نقل صهاريج مرتبطة بالدرك لوقود الديزل ليلًا إلى محطة وقود في أبالا.
ولا يمكن اعتبار هذه الاتهامات مثبتة دون تحقيق مستقل، لكن أهميتها الاستراتيجية تكمن في فرضية وجود اختلال في سلسلة الإمداد اللوجستي.
فالوقود ليس مجرد مورد إداري؛ إنه عنصر مباشر في القدرة القتالية. فكل لتر وقود مخصص للوحدات الأمنية يرتبط بقدرة مركبة على تنفيذ دورية، أو نقل تعزيزات، أو إخلاء جريح، أو الاستجابة لبلاغ.
وفي حال وجود تسريب فعلي للوقود المخصص للعمليات، فإن ذلك قد يحول الفساد اللوجستي من مشكلة مالية إلى عامل يؤثر مباشرة في الجاهزية العملياتية.
سادسًا: الترابط الجغرافي يكشف اتساع المشكلة
الحوادث محل الرصد لا تقع في مسرح واحد، وإنما تمتد عبر ثلاث مناطق ذات أهمية استراتيجية:
مارادي – تيلابيري – ديفا.
مارادي تمثل منطقة حدودية شديدة الحساسية بسبب امتدادها نحو نيجيريا وشبكات الحركة العابرة للحدود.
وتيلابيري تمثل إحدى أهم بؤر التهديد في غرب النيجر، خصوصًا بسبب النشاط المسلح في منطقة الحدود الثلاثية.
أما ديفا فتقع ضمن بيئة أمنية مختلفة مرتبطة بحوض بحيرة تشاد، حيث تنشط جماعات مسلحة ذات خبرة طويلة في استهداف المدنيين والقيام بعمليات الاختطاف.
وبالتالي فإن تزامن هذه الأنماط لا يعني بالضرورة وجود قيادة عملياتية واحدة بينها، لكنه يكشف اتساع قدرة الجهات المسلحة والإجرامية على استغلال نقاط الضعف المحلية في مناطق متعددة.
سابعًا: الخطر الحقيقي هو تآكل السيطرة وليس سقوط المدن
من الخطأ قياس الوضع الأمني فقط بعدد المدن التي تسيطر عليها الدولة أو الجماعات المسلحة.
المؤشر الأكثر أهمية هو: من يستطيع التحرك في الريف؟ ومن يستطيع فرض إرادته على السكان؟ عندما تستطيع مجموعة مسلحة دخول عدة قرى، جمع الماشية، اختطاف المدنيين، ثم الانسحاب دون اعتراض، فإنها لا تحتاج إلى احتلال تلك القرى بصورة دائمة لكي تؤثر في سكانها.
يكفي أن تثبت قدرتها على العودة متى شاءت.
وهذا النوع من السيطرة غير المباشرة قد يكون أكثر استنزافًا للدولة؛ لأنه يجبرها على توزيع قواتها على مساحة جغرافية واسعة، بينما تستطيع الجماعات المسلحة العمل بوحدات صغيرة ومرنة.
ثامنًا: سيناريوهات التطور:-
السيناريو الأول: استمرار الاستنزاف تستمر عمليات سرقة الماشية والاختطاف بصورة متفرقة، مع بقاء الدولة قادرة على منع تحولها إلى سيطرة إقليمية واسعة.
السيناريو الثاني: تحول الجريمة إلى اقتصاد حرب منظم تتطور سرقة الماشية والاختطاف إلى شبكات تمويل متكاملة تشمل النقل، والتخزين، وإعادة البيع، والوسطاء عبر الحدود، وهو السيناريو الأكثر خطورة اقتصاديًا وأمنيًا.
السيناريو الثالث: توسع فجوة الثقة إذا استمرت حالات عدم الاستجابة لنداءات الطوارئ وضعف حماية القرى، فقد يتزايد اعتماد السكان على ترتيبات محلية للحماية، بما يؤدي إلى مزيد من عسكرة المجتمعات وتراجع نفوذ الدولة.
السيناريو الرابع: انتقال الضغط إلى القوات
مع زيادة استخدام الألغام والعبوات ضد الدوريات، قد تصبح القوات أكثر حذرًا في الحركة، وهو ما يمنح الجماعات المسلحة مساحة أكبر للعمل في المناطق الريفية.
التقييم الاستراتيجي:-
المشهد الحالي لا يشير فقط إلى زيادة عدد الحوادث الأمنية، بل إلى تغير في طبيعة التهديد.
فالجماعات المسلحة أو الشبكات الإجرامية تستفيد من مجموعة واحدة من نقاط الضعف: المساحات الريفية الواسعة، ضعف سرعة الاستجابة، هشاشة الاقتصاد المحلي، أهمية الثروة الحيوانية، وصعوبة مراقبة الحدود.
وتتمثل المعادلة الناشئة في إضعاف السكان اقتصاديًا + اختطاف المدنيين + استنزاف القوات بالألغام + استغلال الثغرات اللوجستية = تآكل تدريجي للسيطرة الحكومية على المجال الريفي.
ومن هذه الزاوية، فإن سرقة الماشية ليست قضية جنائية منفصلة، والاختطاف ليس حادثًا محليًا منفردًا، ومشكلة الوقود ليست مجرد ملف إداري؛ بل يمكن أن تتقاطع جميعها داخل اقتصاد أمني غير رسمي يستفيد من هشاشة المناطق الطرفية.
من هنا يتضح أن التهديد الأكثر إلحاحًا أمام النيجر ليس بالضرورة هجومًا كبيرًا على مدينة رئيسية، وإنما تحول أجزاء من الريف إلى مناطق يستطيع فيها المسلحون فرض تكلفة أمنية واقتصادية على الدولة والسكان دون الحاجة إلى السيطرة الدائمة على الأرض.
ومع استمرار هذا النمط، فإن الخطر يتمثل في انتقال الدولة من موقع المبادرة الأمنية إلى موقع الاستجابة للحوادث، بينما تحتفظ الجماعات المسلحة بميزة الحركة والاختيار والانسحاب.
ولذلك فإن معالجة المشكلة تتطلب أكثر من زيادة الدوريات؛ إذ تحتاج إلى ربط الأمن بالاستخبارات المحلية، وتأمين طرق الرعي ونقل المواشي، تحسين سرعة الاستجابة للطوارئ، حماية سلاسل الإمداد والوقود، وملاحقة شبكات إعادة تدوير الموارد المسروقة.
