الحدود السودانية ـ التشادية | تقرير خاص براون لاند الصحيفة السودانية
تشهد الحدود بين السودان وتشاد تصعيدًا أمنيًا متسارعًا، في تطور يهدد بإضافة بُعد إقليمي جديد إلى الحرب السودانية المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وذلك عقب اتهامات تشادية للجيش السوداني بتنفيذ ضربات جوية داخل الأراضي التشادية، مقابل نفي الخرطوم استهداف الأراضي التشادية، ومطالبتها بإجراء تحقيق مستقل قبل توجيه الاتهامات.
وبحسب مصادر أمنية، رفعت السلطات التشادية مستوى التأهب في المناطق الحدودية مع السودان إلى أقصى درجة، عقب ما قالت إنه استهداف لقافلة عسكرية داخل الأراضي التشادية. وأعلن الجانب التشادي أن الضربة وقعت على مسافة تتجاوز 100 كيلومتر داخل الأراضي التشادية في منطقة إنيدي الشرقية، فيما نفت الخرطوم أن تكون قواتها قد استهدفت الأراضي التشادية.
وفي مؤشر على حجم الاستنفار، أفاد مصدر محلي بأن تشاد دفعت بنحو 100 مركبة مدرعة، إلى جانب شاحنات ومعدات مخصصة لتشويش الإشارات، إلى محيط مدينة طينة القريبة من الحدود السودانية، في إطار الإجراءات الرامية إلى مواجهة خطر الطائرات المسيّرة وتأمين المنطقة الحدودية.
الخرطوم: تقول فوجئنا بالاتهامات:-
في المقابل، أبدت الحكومة السودانية استغرابها من اتهام القوات المسلحة السودانية بالوقوف وراء الهجوم، مؤكدة أن توجيه الاتهام جاء قبل إجراء تحقيق مهني ومستقل لتحديد الجهة المسؤولة.
وأكدت وزارة الخارجية السودانية أن القوات المسلحة تؤدي ما وصفته بواجبها الدستوري في حماية سيادة السودان وأمنه وسلامة أراضيه، مع التشديد على احترام سيادة دول الجوار وعدم استهداف أراضيها.
وتعكس هذه المواقف وجود روايتين متعارضتين بشأن الحادث، الأمر الذي يجعل تحديد المسؤولية النهائية بحاجة إلى أدلة مستقلة، خصوصًا في ظل انتشار الطائرات المسيّرة وتداخل خطوط الإمداد والتحرك العسكري على جانبي الحدود و الان الحدود تتحول إلى جبهة حساسة ولا تأتي هذه التطورات في فراغ؛ فالحدود السودانية ـ التشادية شهدت خلال الأشهر الماضية تزايدًا في حوادث الطائرات المسيّرة والضربات العابرة للحدود.
وكانت منظمة أطباء بلا حدود قد حذرت في يونيو/حزيران من تصاعد ضربات المسيّرات في منطقة طينة الحدودية، مشيرة إلى استقبال مستشفى طينة في تشاد عشرات المصابين جراء الضربات التي وقعت في الجانب السوداني من الحدود.
وتكمن حساسية المنطقة في كونها متصلة مباشرة بمسرح العمليات في دارفور، حيث تنشط قوات الدعم السريع، كما أن الحدود التشادية تمثل ممرًا مهمًا لحركة الأشخاص والسلع والإمدادات المرتبطة بالحرب السودانية.
خطر الانزلاق إلى مواجهة مباشرة:-
ويرى مراقبون أن التطور الأخطر لا يتمثل فقط في حادثة القصف نفسها، وإنما في احتمال انتقال التوتر من اتهامات متبادلة إلى إجراءات عسكرية مباشرة.
فانتشار عشرات المدرعات ومعدات التشويش قرب الحدود يعني أن نجامينا تتعامل مع التهديد باعتباره تهديدًا عسكريًا وليس مجرد حادث حدودي عابر. وفي المقابل، فإن استمرار العمليات الجوية والمسيّرة بالقرب من الحدود يرفع احتمالات وقوع حوادث جديدة قد تؤدي إلى تصعيد غير محسوب.
كما أن أي ضربة جديدة داخل الأراضي التشادية، خصوصًا إذا أسفرت عن سقوط قتلى تشاديين، قد تضع الحكومة التشادية أمام ضغوط داخلية للرد عسكريًا.
عامل الدعم السريع يزيد تعقيد المشهد:-
وتزداد القضية تعقيدًا بسبب الاتهامات المتبادلة بشأن استخدام الأراضي التشادية في الحرب السودانية.
فقد سبق أن أشارت تقارير أممية إلى أن تشاد استُخدمت كطريق لمرور أسلحة يُعتقد أنها موجهة إلى قوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها كل من تشاد والإمارات.
وبالتالي، فإن الخرطوم تنظر إلى الحدود الغربية باعتبارها جزءًا من منظومة الإمداد التي يعتمد عليها خصمها في دارفور، بينما تحاول نجامينا منع امتداد الحرب السودانية إلى أراضيها وحماية حدودها من نشاط الأطراف المتحاربة.
السيناريوهات المقبلة:-
في ضوء المعطيات الحالية، تبدو ثلاثة سيناريوهات رئيسية وهي:
الأول: احتواء الأزمة دبلوماسيًا عبر فتح تحقيق مشترك أو مستقل وتبادل المعلومات حول الضربات، وهو السيناريو الأقل كلفة للطرفين.
الثاني: استمرار التصعيد المحدود من خلال تعزيز القوات التشادية على الحدود، وزيادة عمليات المراقبة والتشويش على المسيّرات، مع استمرار الخرطوم في عملياتها العسكرية داخل السودان.
الثالث والأخطر: تحول الحدود إلى مسرح مواجهة مباشرة، إذا تكررت الضربات داخل الأراضي التشادية أو سقط قتلى من الجيش التشادي، بما قد يدفع نجامينا إلى اتخاذ إجراءات عسكرية ضد مصادر التهديد داخل الأراضي السودانية.
من هنا نستطيع القول بأن ما يحدث على الحدود السودانية ـ التشادية لم يعد مجرد خلاف دبلوماسي حول حادثة عسكرية، بل أصبح مؤشرًا على اتساع التداعيات الإقليمية للحرب السودانية.
ورفع تشاد مستوى التأهب إلى أقصى درجة، ونشرها تعزيزات مدرعة ومعدات للتشويش على المسيّرات، مقابل تمسك الخرطوم بنفي استهداف الأراضي التشادية، يعكسان حالة من انعدام الثقة المتزايد بين البلدين.
ومع استمرار الحرب في دارفور وتصاعد الاعتماد على الطائرات المسيّرة، تبقى الحدود الشرقية لتشاد منطقة شديدة الحساسية، وقد تتحول أي ضربة جديدة أو سقوط ضحايا داخل الأراضي التشادية إلى شرارة لتصعيد مباشر بين نجامينا والخرطوم، بما يفتح جبهة جديدة في حرب تجاوزت حدود السودان وأصبحت تهدد استقرار منطقة الساحل وحوض بحيرة تشاد.
