تقرير تحليلي استقصائي
مقدمة: تنظيم ولد من رحم الفوضى الأمنية
في منطقة الساحل الأفريقي، حيث تتقاطع الحدود بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو في مساحات شاسعة يصعب ضبطها أمنياً، برزت خلال العقد الأخير جماعات مسلحة أعادت تشكيل المشهد الأمني والسياسي في غرب أفريقيا. ومن بين هذه التنظيمات، برزت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) باعتبارها أحد أكثر الفروع نشاطاً وامتداداً لتنظيم القاعدة في القارة الأفريقية.
لم تظهر الجماعة فجأة، بل كانت نتيجة مسار طويل من التحولات التي بدأت مع صعود الجماعات الجهادية في شمال مالي بعد عام 2012، قبل أن تتجمع عدة فصائل مسلحة تحت راية واحدة في مارس/آذار 2017. ومنذ ذلك التاريخ، انتقلت الجماعة من إطار تحالف بين مجموعات مسلحة محلية إلى تنظيم إقليمي قادر على تنفيذ عمليات واسعة، وتوسيع نفوذه خارج مالي نحو بوركينا فاسو والنيجر، مع محاولات للتمدد باتجاه دول الساحل الغربي.
النشأة والتطور: هندسة الاندماج بين الفصائل الأربعة
في الثاني من مارس/آذار 2017، أعلن القيادي الطوارقي إياد أغ غالي تأسيس الجماعة في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة من تنظيم القاعدة لإعادة تنظيم صفوفه والاندماج عميقاً في مجتمعات الساحل. وجاء هذا الكيان نتيجة اندماج أربع مجموعات رئيسية هي:
تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي (فرع الصحراء الكبرى).
جماعة أنصار الدين.
جماعة المرابطون.
جبهة تحرير ماسينا.
وكان الهدف المحوري من هذا الاندماج هو توحيد القدرات العسكرية والتنظيمية تحت قيادة واحدة بعد سنوات من العمل المنفصل. ويُعد إياد أغ غالي الشخصية المحورية والمؤسس الأول للتنظيم؛ حيث نُصّب أميراً عاماً له. وكان أغ غالي قد أسس في ديسمبر/كانون الأول 2011 جماعة أنصار الدين مستفيداً من الاضطرابات الأمنية شمال مالي، وتمكن بالتعاون مع القاعدة من السيطرة على مناطق واسعة عام 2012 كتمبكتو وتيساليت، قبل أن تؤدي التدخلات العسكرية الدولية إلى تراجع سيطرتهم المباشرة، مما دفعهم لإعادة هيكلة أنفسهم والإعلان عن ولادة الجماعة بشكلها الحالي.
الهيكل والقيادات: بين القيادة المركزية واللامركزية الميدانية
يقوم البناء التنظيمي للجماعة على نموذج يمزج بين القيادة المركزية العليا المسؤولة عن الاستراتيجيات والتخطيط العام، والإمارات المحلية التي تتمتع باستقلالية عملياتية ميدانية، مرتكزة على شبكات اجتماعية وعشائرية.
تدار الجماعة تحت إمرة الأمير العام إياد أغ غالي، ويشمل كادرها القيادي والتنفيذي شخصيات بارزة منها:
أمادو كوفا: مؤسس جبهة تحرير ماسينا وأحد أهم القادة العسكريين في وسط مالي.
يحيى أبو الهمام وسالم ولد بريهمات: قادة عسكريون وميدانيون بارزون.
أبو عبد الرحمن الصنهاجي: المسؤول الشرعي والقضائي للجماعة.
أبو دجانة القاسمي: المتحدث الرسمي باسم الجماعة.
ويتولى إدارة الملفات التخصصية قيادات وكوادر ميدانية؛ مثل أبو عثمان آمي الياس وأبو هريرة أمادو الياس جالو في إدارة وحدة المتفجرات، وجالو إسحاقا وسيسي آكو الياس (باتو سيدي) ويونسا محمدي في وحدة التموين والإمداد، بينما يشرف بوريما أودراغوو والياس كومباري بوريما على وحدة الدعوة، وسيتا حسيني على وحدة الجباية والإتاوات.
مناطق النشاط والانتشار: التوزيع الميداني للإمارات
مسرح عمليات مالي (المركز التاريخي):
تظل مالي القاعدة الرئيسية للجماعة. في الشمال الغربي تبرز إمارة تمبكتو المحاذية لطرق التهريب الحدودية بقيادة عبد الرحمن طلحة الليبي ومسعود بلحيرش (أسامة أبو عبد الواحد الجزائري). وفي الشمال تقع إمارة كيدال ذات الأهمية التاريخية بجهود القيادي سيدان أغ حيتة. أما في وسط مالي وموبتي، فيشرف أمادو كوفا وسالم ولد بريهمات على تحركات الجماعة، مع تسجيل انضمام قادة ذوي خلفيات قومية مثل حسين غلام، الضابط السابق في الدرك المالي وأحد مؤسسي الحركة العربية الأزوادية الذي انضم للتنظيم عام 2024.
مسرح عمليات بوركينا فاسو (ساحة التوسع الكبرى):
أصبحت بوركينا فاسو أكثر الساحات نشاطاً للجماعة خارج مالي، لا سيما في الساحل البوركيني والشرق والبرازخ الحدودية. وتدار القيادة الدعوية والتنظيمية عبر محمود باري (مسؤول الدعوة والتجنيد)، وأبو حنيفة عمرو (المسؤول التنظيمي والإداري)، والقيادي عبد الوهاب ولد شعيب، وجعفر ديكو قائد الأنشطة المسلحة. يساندهم في إدارة المفارق والعمليات شبكة واسعة من الكوادر ميدانياً، مثل مامادو سانقراي، وسيدي بي درمان (أبو حمزة)، وجالو كوركا (أبو عائشة)، وسيديبى سعيدو، ودياو يوسف، ودياو موسى، وحمزة جالو، وأبا هريرة أغا المنير، وموسى الياس عبد الغني جالو (أبو زكريا).
مسرح عمليات النيجر ودول الجوار:
يتركز النشاط أساساً في منطقة تيلابيري الحدودية للاستفادة من الجغرافيا المفتوحة في تأمين خطوط الإمداد، مع تسجيل محاولات متواصلة للتمدد جنوباً نحو مناطق مثل دوسو والشريط الحدودي المحاذي لدول الساحل الغربي لتأمين ممرات حركة استراتيجية.
مصادر التمويل واقتصاد الحرب
تعتمد الجماعة على مصادر تمويل متنوعة وممتدة تشمل:
أموال الفدية: تُعد الفدية المالية مقابل إطلاق سراح الرهائن الغربيين والمحليين أحد أهم مصادر الدخل التاريخية والتنفيذية للتنظيم.
الجباية والضرائب: فرض نظام جباية تحت مسمى الزكاة أو الإتاوات على السكان والتجار والرعاة في المناطق الهشة.
الاستفادة من شبكات التهريب: استغلال خطوط التهريب غير الرسمية للبضائع والمخدرات والبشر، بالإضافة إلى مصادرة ومداهمة قطعان المواشي وخاصة الأبقار من القرويين.
ودعماً لهذه الأنشطة وللترويج الأيديولوجي، يمتلك التنظيم ذراعاً إعلامياً يُعرف بـ مؤسسة الزلاقة للإنتاج الإعلامي، وهي المنصة المخصصة لنشر بيانات العمليات، وبث خطابات القيادة، والتأثير النفسي.
أساليب التجنيد: بين المظالم المحلية والإغراء المادي
لا يعتمد التنظيم على التجنيد القسري فحسب، بل يطبق استراتيجية هجينة تتضمن:
استغلال المظالم والنزاعات المحلية: الدخول على خط النزاعات العرقية والقبلية (كالصراع بين الرعاة والمزارعين)، وتقديم التنظيم نفسه كحامٍ للمجتمعات أو قاضٍ في النزاعات عند غياب الدولة.
الروابط العائلية والقبائلية: استقطاب المقاتلين لأقاربهم وأبناء عشائرهم لبناء بناء تنظيمي عصي على الاختراق.
الإغراءات الاقتصادية: تقديم رواتب ومساعدات مالية ودعم غذائي للشباب في المناطق التي تعاني من بطالة وفقر شديدين.
الخطاب الديني والإعلامي: استغلال مؤسسة الزلاقة والدعاة المحليين للترويج لأفكار التنظيم في المناطق الهشة تعليمياً.
استقطاب ذوي الخبرة: ضم عناصر سابقة من حركات تمرد أو جماعات مسلحة للاستفادة من خبراتهم القتالية.
طبيعة الارتباطات الإقليمية والدولية والصراع الداخلي
الارتباط بتنظيم القاعدة:
بايع إياد أغ غالي عند التأسيس قيادة تنظيم القاعدة المركزية ممثلة بأيمن الظواهري، وأمير القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي عبد الملك دروكدال، وزعيم حركة طالبان هبة الله أخوند زاده، مما جعل الجماعة الممثل والذراع الرسمي المعتمد للقاعدة في غرب أفريقيا والساحل.
الصراع مع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش):
رغم الانتماء المشترك للتيار الجهادي، تخوض الجماعة حرب نفوذ ومواجهات مسلحة عنيفة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل. ويدور التنافس حول السيطرة على الأراضي والموارد والمقاتلين؛ حيث تعتمد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين أسلوب التغلغل الاجتماعي التدريجي، بينما يفضل تنظيم الدولة أساليب السيطرة الصريحة والأكثر عنفاً.
أبرز العمليات والتطورات الأخيرة
شهدت الساحة الميدانية سلسلة من الهجمات البارزة التي نفذتها الجماعة وشكلت محطات مفصلية:
2 مارس/آذار 2018 – واغادوغو (بوركينا فاسو): استهداف السفارة الفرنسية ومقر قيادة الجيش البوركيني في أول هجوم كبير خارج مالي.
14 أبريل/نيسان 2018 – تمبكتو (مالي): هجوم معقد استهدف قاعدة لبعثة الأمم المتحدة (MINUSMA) وقوات فرنسية قرب المطار.
7 سبتمبر/أيلول 2023 – مالي: هجمات متزامنة استهدفت زورق النقل المدني تمبكتو على نهر النيجر ومعسكراً للجيش في بامبا أسفرت عن ضحايا جدد.
24 أغسطس/آب 2024 – بارسالوغو (بوركينا فاسو): هجوم واسع على مدنيين أسفر عن مقتل أكثر من 130 شخصاً وإصابة المئات.
17 سبتمبر/أيلول 2024 – باماكو (مالي): استهداف منشآت عسكرية ومحيط مطار موديبو كيتا الدولي بالعاصمة باماكو.
11 مايو/أيار 2025 – جيبو (بوركينا فاسو): السيطرة لساعات على أجزاء من مدينة جيبو شمال البلاد ومقتل العشرات من العسكريين والمدنيين.
سبتمبر إلى نوفمبر 2025 – مالي: شن حملة استهدفت قوافل الوقود المتجهة إلى العاصمة باماكو، ما تسبب في أزمات إمداد واقتصاد حادة.
25 أبريل/نيسان 2026 – مالي: شن سلسلة هجمات منسقة بالتزامن مع جبهة تحرير أزواد استهدفت مواقع عسكرية في العاصمة باماكو ومدن كيدال وغاو وموبتي.
الوضع الحالي وتقييم الخبراء: توسع أم تراجع؟
تختلف تقييمات مراكز البحث حول المسار الحالي للجماعة؛ فبينما تتعرض لضغوط عسكرية متزايدة واستهداف لقادتها من قبل جيوش دول الساحل والمنافسة العنيفة مع داعش، يرى خبراء أنها تمكنت من التكيف عبر إعادة انتشار قواتها والتحول نحو التكتيكات المرنة بدلاً من التمسك بالسيطرة الجغرافية المباشرة.
رأي معهد الدراسات الأمنية (ISS Africa): يؤكد أن قدرة التنظيم على البقاء ترتبط بضعف المؤسسات الخدمية للأنظمة المحلية، والتهميش، وتصاعد النزاعات المجتمعية، وليس بالقوة العسكرية للتنظيم فحسب.
رأي المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية (ACSS): يوضح أن استغلال التنظيم للمناطق الحدودية المفتوحة وتغير أنماط الصراع يجعل الحلول العسكرية وحدها غير كافية لإنهائه.
رأي مجموعة الأزمات الدولية (ICG): تشير إلى أن الحد من نفوذ الجماعة يتطلب حزمة متكاملة تجمع بين الإصلاح السياسي والتنموي، والحوار المحلي، وتحسين الخدمات العامة، إلى جانب المقاربة الأمنية.
تقارير فرق الرصد الأممية: تؤكد أن تداخل العوامل الاقتصادية والاجتماعية في الساحل يجعل مواجهة التنظيم تحدياً استراتيجياً طويل الأمد يتطلب تنسيقاً إقليمياً ودولياً وثيقاً.
