تشهد جنوب أفريقيا مجدداً تصاعداً خطيراً في الخطاب المعادي للمهاجرين الأفارقة، في مشهد يثير تساؤلات عميقة حول مستقبل التعايش داخل القارة الأفريقية. فالدولة التي قدمت نفسها لعقود باعتبارها رمزاً للتحرر من الفصل العنصري، تجد نفسها اليوم أمام موجة من الكراهية تستهدف مهاجرين ينحدرون من دول أفريقية شقيقة، هرب كثير منهم من الحروب والفقر وانعدام الاستقرار بحثاً عن حياة أفضل.
المفارقة الكبرى أن الجنوب أفريقيين الذين يطالب بعضهم بطرد المهاجرين الأفارقة كانوا بالأمس القريب يستفيدون من دعم سياسي ودبلوماسي واسع قدمته لهم دول القارة خلال نضالهم ضد نظام الفصل العنصري. فعديد من الدول الأفريقية احتضنت مناضلي المؤتمر الوطني الأفريقي وقدمت لهم الدعم السياسي والمالي والعسكري. ولذلك فإن استهداف الأفارقة اليوم يطرح سؤالاً أخلاقياً وتاريخياً صعباً حول ذاكرة التضامن الأفريقي.
الجذور الحقيقية للأزمة
لا يمكن فهم تنامي كراهية الأجانب دون النظر إلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي تعيشها البلاد. فجنوب أفريقيا تواجه معدلات بطالة مرتفعة، خاصة بين الشباب، إلى جانب اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء وتراجع الخدمات العامة وارتفاع معدلات الجريمة.
في مثل هذه الظروف، يصبح المهاجر هدفاً سهلاً للغضب الشعبي. فبدلاً من تحميل النخب السياسية مسؤولية الإخفاقات الاقتصادية المتراكمة، يجري تصوير الأجانب على أنهم سبب البطالة والجريمة والضغط على الخدمات العامة. غير أن معظم الدراسات الاقتصادية تشير إلى أن الأسباب الحقيقية للأزمة أكثر تعقيداً وترتبط بمشكلات هيكلية داخل الاقتصاد الجنوب أفريقي نفسه.
البحث عن كبش فداء
غالباً ما تلجأ المجتمعات التي تعاني من أزمات اقتصادية إلى البحث عن “عدو داخلي” يحملونه مسؤولية مشاكلهم. وفي الحالة الجنوب أفريقية أصبح المهاجر الأفريقي هو ذلك العدو المثالي في نظر بعض الحركات الشعبوية.
هذا الخطاب يمنح شعوراً زائفاً بالحلول السريعة، لكنه لا يعالج الأسباب الحقيقية للأزمة. فحتى لو غادر آلاف المهاجرين البلاد، فإن البطالة والفقر والفساد وضعف النمو الاقتصادي ستبقى قائمة، لأن جذورها أعمق بكثير من وجود العمالة الأجنبية.
هل يدرك دعاة الكراهية عواقب أفعالهم؟
يبدو أن بعض المحرضين على العنف لا يدركون حجم المخاطر التي قد تترتب على هذه السياسات. فاستمرار الاعتداءات على المهاجرين يمكن أن يؤدي إلى عدة نتائج خطيرة:
أولاً، تشويه صورة جنوب أفريقيا دولياً وتحويلها من نموذج للتحرر إلى نموذج للتعصب والعنف.
ثانياً، إضعاف العلاقات مع الدول الأفريقية التي ينتمي إليها المهاجرون، وهو ما قد ينعكس على التعاون الاقتصادي والأمني داخل القارة.
ثالثاً، دفع بعض الدول إلى اتخاذ إجراءات انتقامية ضد المواطنين الجنوب أفريقيين العاملين أو المستثمرين في الخارج.
رابعاً، خلق دوامة من العنف الداخلي يصعب السيطرة عليها، لأن خطاب الكراهية عندما يبدأ باستهداف فئة معينة لا يتوقف عندها بالضرورة.
التناقض مع فكرة الوحدة الأفريقية
لطالما رفعت جنوب أفريقيا شعار التضامن الأفريقي والوحدة القارية، وكانت من أبرز الداعمين لمشاريع التكامل الاقتصادي والسياسي داخل القارة. غير أن الاعتداء على مهاجرين أفارقة بسبب جنسيتهم يقوض هذه الشعارات ويبعث برسالة سلبية إلى بقية الدول الأفريقية.
إن بناء أفريقيا قوية ومتكاملة لا يمكن أن يتم عبر التحريض على الأفارقة أو تحميلهم مسؤولية الأزمات الداخلية، بل عبر إصلاح الاقتصاد وتعزيز الحوكمة ومكافحة الفساد وخلق فرص العمل للمواطنين.
و مما سبق يتضح أن موجة العداء للمهاجرين في جنوب أفريقيا ليست دليلاً على قوة الدولة، بل مؤشر على أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة يجري تفريغها في الفئات الأضعف. والخطر الحقيقي لا يكمن في وجود المهاجر الأفريقي، بل في انتشار خطاب الكراهية الذي يهدد السلم الأهلي ويقوض إرث جنوب أفريقيا التاريخي كدولة ناضلت ضد التمييز والعنصرية. فالدولة التي عانت لعقود من الاضطهاد العنصري مطالبة اليوم أكثر من غيرها بأن تدرك أن استبدال ضحية الأمس بضحية جديدة لن يحل أزماتها، بل سيضاعفها.
نقلاً عن صحيفة براون لاند السودانية
