رغم انتهاء المرحلة الساخنة من الأزمة في الشرق الأوسط بين إيران والولايات المتحدة، إلا أن تداعياتها الاقتصادية لا تزال ملموسة في غالبية أنحاء العالم. ويؤدي استمرار إغلاق مضيق هرمز واحتمال عودة الحرب بين الطرفين إلى تراجع اقتصادات العديد من البلدان.
منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تؤكد تباطؤ النمو
سيؤدي انقطاع إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط لفترات طويلة ران إلى ضربة قاسية للاقتصاد العالمي، مما سيؤدي إلى ركود اقتصادي في العديد من الدول وتضخم واسع النطاق وارتفاع معدلات البطالة. حذرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من ذلك في تقرير نشرته بداية شهر يونيو الجاري.
ستكون الخسائر الأكبر من نصيب الاقتصادات الآسيوية التي تعتمد على النفط والوقود والغاز الطبيعي من الخليج العربي والتي تعطلت إمداداتها بشكل كبير بسبب إغلاق مضيق هرمز. إضافة إلى ذلك، ستتأثر الدول الفقيرة، حيث ينفق السكان معظم دخلهم على الوقود والغذاء، بشكل كبير بالأزمة.
وفقاً للمنظمة، سيكون تأثير الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة والتضخم حاضراً على مستوى العالم كله بهذا الشكل أو بآخر. سيتراجع النمو الاقتصادي العالمي إلى مستويات لم يشهدها العالم قبل الصدمات الكبرى مثل جائحة كوفيد-19، والأزمة المالية العالمية، وركود أواخر العقد الأول من الألفية الثانية.
في ظل سيناريو الصدمة المطولة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، سيتباطأ النمو الاقتصادي العالمي من 3.4% عام 2025 إلى 2.1% عام 2026، ثم إلى 1.8% في عام 2027، مما قد يدفع بعض الاقتصادات إلى الركود أو ما يقاربه.
وفي سيناريو آخر للمنظمة، يفترض حدوث اضطرابات مؤقتة في إمدادات الطاقة، حيث يبدأ إنتاج الطاقة وإمداداتها من دول الخليج العربي بالعودة إلى مستويات ما قبل الحرب في منتصف عام 2026، سيتباطأ النمو إلى 2.8% في عام 2026، ثم يتعافى إلى 3.1% في عام 2027.
أما في أسوأ السيناريوهات وبافتراض استمرار القتال حتى عام 2027، فسينخفض النمو العالمي إلى 2.1٪ ثم إلى 1.8٪ في السنوات اللاحقة. لم يشهد العالم وضعًا مشابهًا إلا خلال فترات الركود الكارثية مثل الأزمة المالية العالمية 2008-2009 وجائحة كورونا.
تحذيرات الخبراء
وفي هذا السياق قال الأمين العام لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ماتياس كورمان: “دخل الاقتصاد العالمي عام 2026 بنمو قوي، لكن التوقعات تدهورت بشكل ملحوظ منذ اندلاع الصراع في الشرق الأوسط. ومن المرجح أن تستمر آثاره لبعض الوقت. وكلما طال أمد الاضطرابات، كلما زادت التكاليف الاقتصادية والاجتماعية”.
حذّر كورمان من أن الإنفاق الحكومي الهادف إلى خفض تكاليف الطاقة يجب أن يُوجّه إلى الفئات الأكثر احتياجًا وأن يكون مؤقتًا لتجنب الزيادة المفرطة في الدين العام والحفاظ على حوافز ترشيد استهلاك الطاقة.
من جهته، صرح كبير الاقتصاديين في المنظمة ستيفانو سكاربيتا: “أصبح الصراع في الشرق الأوسط القوة المهيمنة التي تُشكّل التوقعات الاقتصادية العالمية. وكلما طال أمد هذا الاضطراب، كلما زادت التكاليف الاقتصادية والاجتماعية”.
تأثير الأزمة على الدول والمناطق حسب التوقعات:
– الولايات المتحدة: سيتباطأ النمو الاقتصادي إلى 2.0% في عام 2026، وإلى 1.8% في عام 2027.
– منطقة اليورو: سيشهد النمو تباطؤًا حادًا إلى 0.8%، أي ما يقارب نصف معدل عام 2025 البالغ 1.4%.
– الصين: توفر احتياطيات الطاقة الوفيرة قدرًا من الأمان. سيتباطأ الإنتاج تدريجيًا إلى 4.5%، ثم إلى 4.3% خلال العامين المقبلين.
– اليابان وآسيا: تُعد اليابان من بين أكثر الدول عرضةً للخطر، حيث من المتوقع أن ينخفض النمو إلى 0.6% في عام 2026. وستتأثر الاقتصادات الآسيوية التي تعتمد بشكل كبير على واردات النفط والغاز من الشرق الأوسط، بشدة وقد تواجه عدة دول ركودًا اقتصاديًا حادًا.
ارتفاع خطر تفاقم الجوع
يعتقد الخبراء أن خطر تفاقم الجوع العالمي قد زاد بشكل كبير نتيجة الحصار المستمر لمضيق هرمز.
ومن أبرز الأسباب ما يلي: ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة الزراعية، وتعطيل سلاسل التوريد اللوجستية، وفرض إجراءات حمائية مشددة، بالإضافة إلى ارتفاع التضخم في أسعار المواد الغذائية.
وقد ارتفع مؤشر أسعار الأغذية العالمي لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) في أبريل الماضي بنسبة 1.6% ليصل إلى 130.7 نقطة، وهو أعلى مستوى منذ فبراير 2023. ويتوقع البنك الدولي ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 24% خلال عام 2026، فيما سترتفع أسعار الأسمدة بنسبة 31%.
في هذا السياق حذر المدير العام للفاو تشوي دونغ يو من أن إغلاق مضيق هرمز سيؤدي إلى انخفاض المحاصيل وتراجع إمدادات الغذاء، وستستمر هذه التداعيات حتى عام 2027. ووصف أزمة الجوع العالمي في تصريحات له بأنها “ليست مجرد ظاهرة واسعة النطاق، بل أزمة مزمنة”.
انخفاض مخزونات النفط في أمريكا
من جهة أخرى، أدت الحرب مع إيران إلى انخفاض مخزونات النفط في الولايات المتحدة إلى أدنى مستوى لها في 20 عامًا ، وفق ما ذكرته الصحافة الأمريكية.
لا بد من الإشارة إلى أن الحرب سببت للرئيس الأمريكي دونالد ترامب انخفاض مخزونات النفط في بلاده إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2004، مما أجبر الإدارة على استخدام الاحتياطيات لكبح ارتفاع الأسعار.
حذر ممثلو الصناعة المحلية من أن الأسعار قد ترتفع بشكل حاد قريبًا، حيث وصلت المخزونات إلى مستوى منخفض بشكل خطير. وعلى ضوء ذلك أكد بوب ماكنالي، رئيس مجموعة Rapidan Energy Group والمستشار السابق للبيت الأبيض، أن الأسعار قد تصل إلى 200 دولار للبرميل هذا الصيف، إذا لم يتم إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة ناقلات النفط.
جانب آخر من العواقب: حصاد المحاصيل
إضافة إلى ما سبق ذكره، ثمة جانب آخر من العواقب المترتبة على الأزمة في الشرق الأوسط. يؤدي استمرار النزاع إلى دفع الدول إلى تعديل توقعاتها بشأن حصاد المحاصيل.
تتوقع الدول المصدرة للحبوب مثل أستراليا والولايات المتحدة انخفاضًا في إنتاج القمح بسبب الارتفاع الحاد في أسعار الأسمدة والوقود. كما تستمر الأرباح في الانخفاض للمزارعين الروس بسبب ارتفاع تكاليف الوقود، حسبما ذكرته الصحافة الروسية.
يخفض المزارعون الأستراليون مساحات الزراعة بسبب انخفاض ربحية زراعة القمح الناجم عن ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة في ظل النزاع. ستنخفض المساحة الإجمالية لزراعة المحاصيل الشتوية في أستراليا في موسم 2026/27 بنسبة 7٪ لتصل إلى 23.6 مليون هكتار. ومن المتوقع أن تنخفض مساحة زراعة القمح بنسبة 12٪ إلى 10.9 مليون هكتار، وهو أدنى مستوى لها في 7 سنوات.
أما وزارة الزراعة الأمريكية، فكشفت في توقعاتها المحدثة أن إنتاج القمح في الولايات المتحدة في موسم 2026/27 سيبلغ حوالي 42.45 مليون طن، وهو أدنى مستوى له في 54 عامًا. ويعزى الانخفاض في الإنتاج إلى الجفاف الشديد وارتفاع تكاليف إنتاج الحبوب بسبب إغلاق مضيق هرمز. ووفقًا للوزارة، فإن نسبة 28٪ فقط من المحاصيل الشتوية في الولايات المتحدة في حالة جيدة أو ممتازة، وهو أدنى مستوى لها في 4 سنوات.
وفيما يتعلق بروسيا، فتمر حملة الزراعة هذا العام فيها في ظروف مناخية صعبة، كما أكدت وزيرة الزراعة الروسية أوكسانا لوت مؤخراً. وتشهد الوزارة مخاطر عدم تحقيق خطة الزراعة البالغة 83 مليون هكتار. ووفقًا للوزيرة، تمت زراعة 42.3 مليون هكتار حتى نهاية شهر مايو. وتأخرت زراعة المحاصيل الصيفية بمقدار 3.5 مليون هكتار عن المعدلات المخطط لها.
عامل سلبي إضافي للحصاد هو ارتفاع أسعار الوقود ونقصه في بعض المناطق. وقد ارتفعت تكلفة الوقود للمزارعين الروس بنسبة 35٪ خلال الشهرين الماضيين، وفقًا لإحصائيات الوزارة.
بلغت أرباح المنظمات الزراعية في قطاعي الزراعة والثروة الحيوانية في روسيا في الربع الأول من عام 2026 ما مجموعه 163.3 مليار روبل بانخفاض 22.5٪ عن العام السابق. وارتفعت الخسائر بنسبة 1.6 مرة إلى 53.4 مليار روبل.
الخلاصة
تؤكد البيانات المشار إليها أعلاه أن الحرب بين إيران والولايات المتحدة قد اتخذت طابعاً دولياً بالفعل وليس إقليمياً فحسب. وكلما طال أمد الأزمة وعدم وجود اتفاق رسمي ينص على إنهائها، كلما استمرت تداعيات الأزمة في التأثير على اقتصادات مختلف دول العالم.
