وصل الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء، إلى جمهورية مصر العربية في زيارة عمل أمس الثلاثاء الموافق 15 سبتمبر الجاري. وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسيفي استقبال ولي العهد السعودي، مما يؤكد أهمية الزيارة وحفاوة العلاقة بين البلدين.
وجرت هذه الزيارة، حسبما ذكرت وكالة الأنباء السعودية، بناء على توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود. وتمت على ضوء ظروف وتطورات معقدة تشهدها منطقة الشرق الأوسط عامة والبحر الأحمر خاصة.
توافق استراتيجي
من جانبها، قالت الرئاسة المصرية في بيان رسمي إن لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان شهد توافقا على أن العلاقات بين البلدين “لا تقبل إلا أن تكون مثلى في الإطار العربي”.
وأشارت الرئاسة إلى أن “أمن السعودية ودول الخليج هو جزء من الأمن القومي المصري، مع تحفظ ورفض وإدانة مصر الكاملة لأي اعتداءات أو تهديدات تمس سيادة المملكة واستقرارها وسلامة أراضيها أو حرية الملاحة في الممرات البحرية الدولية”.
وإضافة إلى ذلك، اتفق الجانبان وفق البيان على النقاط التالية:
* الظروف الحالية تقتضي المزيد من التضامن والتنسيق بين البلدين،
* مصلحة وأهداف البلدين واحدة ويوجد بينهما تفاهم مطلق،
* زيارة بن سلمان تؤكد التضامن والأخوة الكاملة بين مصر والمملكة وكل دول الخليج،
* الحرص على ضمان حرية وأمن الملاحة البحرية في مضيقي هرمز وباب المندب وفي البحر الأحمر،
* تطابق المواقف إزاء القضية الفلسطينية وضرورة التوصل إلى تسوية عادلة وشاملة تقوم على حل الدولتين، بما في ذلك عبر تنفيذ خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب،
* دعم سيادة واستقرار جميع الدول العربية واستمرار التشاور والتنسيق المباشر خلال الفترة المقبلة.
دعم متبادل للسودان
وبشكل خاص لا بد من الإشارة إلى أن مصر والسعودية أكدتا استمرارهما في دعم السودان وسيادته في ظل الحرب التي تعصف بالبلاد منذ منتصف عام 2023.
وفي هذا السياق أكد الرئيس المصري ولي عهد المملكة العربية السعودية مواصلة “دعم بلديهما لأمن واستقرار السودان الشقيق، ووجوب حصرية مؤسساته الوطنية، ورفض مساواة القوات المسلحة السودانية بأي ميليشيات أو كيانات موازية غير شرعية، والتشديد على أن أي تهديد لوحدة السودان وسلامة أراضيه يمثل خطرًا على الأمن الجماعي لمصر والسعودية وكافة دول المنطقة”، وفق ما جاء في البيان.
وتعد هذه إشارة واضحة من البلدين مفادها دعم القاهرة والرياض لوحدة أراضي وسيادة السودان وحكومته في مواجهة ميليشيا الدعم السريع التي ارتكبت العديد من الجرائم بحق الشعب السوداني.
نمو التبادل التجاري
أما على الصعيد الاقتصادي، فواصلت العلاقات بين مصر والسعودية تسجيل معدلات نمو ملحوظة خلال عام 2026.
وكشفت بيانات الجهاز المركزي المصري للتعبئة العامة والإحصاء عن ارتفاع قيمة التبادل التجاري بين مصر والسعودية بنسبة 19.7% خلال النصف الأول من عام 2026، لتصل إلى نحو 7.1 مليار دولار، مقارنة بنحو 5.9 مليار دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025.
وسجلت الصادرات المصرية إلى السوق السعودية نموًا بنسبة 20.5% خلال النصف الأول من عام 2026، لتبلغ نحو 1.8 مليار دولار، مقابل 1.5 مليار دولار خلال الفترة المناظرة من العام الماضي.
وتنوعت قائمة أبرز السلع المصرية المصدرة إلى السعودية، وجاء النحاس ومصنوعاته في صدارة مجموعات السلع بقيمة بلغت 246.5 مليون دولار. وحلت الآلات والأجهزة والمعدات الكهربائية في المرتبة الثانية بقيمة 215.9 مليون دولار، فيما بلغت قيمة صادرات الفواكه نحو 180.6 مليون دولار.
في المقابل، شهدت الواردات المصرية من السعودية ارتفاعًا بنسبة 19.4% خلال النصف الأول من عام 2026، لتصل إلى نحو 5.3 مليار دولار، مقارنة بنحو 4.4 مليار دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025.
واستحوذت الوقود والزيوت المعدنية ومنتجات تقطيرها على النصيب الأكبر من الواردات المصرية من السوق السعودية، بقيمة بلغت نحو 4 مليارات دولار خلال النصف الأول من العام. وجاءت اللدائن ومصنوعاتها في المرتبة الثانية بقيمة 719.8 مليون دولار، ثم الألومنيوم ومصنوعاته بنحو 174.2 مليون دولار.
وعلى مستوى الاستثمارات، أظهرت البيانات وصول قيمة الاستثمارات السعودية في مصر إلى نحو 532.2 مليون دولار خلال النصف الأول من العام المالي 2025/2026، مقابل نحو 532 مليون دولار خلال الفترة نفسها من العام المالي 2024/2025.
وتعكس هذه الأرقام استمرار النشاط الاستثماري السعودي في السوق المصرية، بالتزامن مع نمو حركة التجارة الثنائية بين البلدين خلال النصف الأول من عام 2026، الأمر الذي يؤكد بلا شك تنامي العلاقات المصرية السعودية ليس سياسياً وأمنياً فحسب، وإنما اقتصادياً أيضاً.
قراءة تحليلية
ختاماً تنبغي الإشارة إلى أن زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة ولقاءه الرئيس السيسي يؤكدان بلا أدنى شك أن العلاقات المصرية السعودية دخلت مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية في ضوء توافق واسع بشأن القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية.
ومع تصاعد التحديات الإقليمية، تبدو القاهرة والرياض أمام مسؤولية مشتركة لتعزيز التنسيق العربي وحماية الأمن القومي ودعم الاستقرار، كما أشارت البيانات الرسمية الصادرة عن الطرفين، ناهيك عن توسيع أسس ومجالات التعاون الاقتصادي والاستثماري.
وستحمل الأيام القادمة توضيحاً أوسع لجوهر الاتفاقات المصرية والسعودية، لا سيما في حال استمرار التوجه السائد حالياً نحو تعقيد الوضع الإقليمي على شتى المستويات.
