في الطرق المؤدية إلى غرب النيجر، لم تعد الشاحنات التجارية تتحرك كما السابق، وأصبحت القرى المنتشرة بين تيلابيري وأيورو تعيش على وقع الخوف والترقب. فالهجمات التي كانت قبل سنوات تُصنف ضمن عمليات “الكر والفر”، تحولت اليوم إلى نمط أكثر تعقيداً يقوم على الحصار التدريجي، واستهداف الثكنات، وخنق الاقتصاد المحلي، في مشهد يعيد إلى الأذهان ما جرى في مالي خلال الأعوام الأخيرة.
ومع تصاعد نشاط تنظيم “داعش في الساحل” على تخوم نيامي، تتزايد المخاوف من دخول النيجر مرحلة جديدة من حرب الاستنزاف طويلة الأمد، خاصة بعد التغيرات الجيوسياسية والعسكرية التي شهدتها البلاد منذ الانقلاب العسكري وانسحاب القوات الغربية.
من الهجمات المتفرقة إلى استراتيجية الحصار
تشير التطورات الأخيرة في منطقة تيلابيري إلى تحول واضح في تكتيكات الجماعات المسلحة. فبدلاً من تنفيذ هجمات خاطفة ثم الانسحاب، باتت التنظيمات تعتمد على السيطرة المؤقتة على المحاور الحيوية، وقطع طرق الإمداد، واستهداف البنية الاقتصادية.
وخلال الأسابيع الماضية، تداولت منصات محلية وأخرى مرتبطة بالجماعات المسلحة معلومات عن سقوط ثكنة “كوراسي” العسكرية، إلى جانب هجمات دامية قرب “أيورو” ضمن المثلث الحدودي بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو، وهي المنطقة التي أصبحت توصف بأنها إحدى أخطر البؤر الأمنية في الساحل الإفريقي.
ويرى مراقبون أن هذه الهجمات لا تهدف فقط إلى تحقيق مكاسب ميدانية، بل إلى إضعاف صورة الدولة وإظهار القوات النظامية بمظهر العاجز عن حماية الحدود والطرق الحيوية.
حرب استنزاف تشبه النموذج المالي
اللافت في المشهد النيجري أن الأسلوب المستخدم اليوم يكاد يتطابق مع الاستراتيجية التي اتبعتها جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” في مالي، والتي قامت على عزل المدن تدريجياً، وضرب النقل التجاري، وإحراق الشاحنات، ثم فرض حصار اقتصادي غير معلن على مناطق واسعة.
وفي مالي، أدى هذا النهج إلى شلل شبه كامل في بعض المحاور التجارية، خصوصاً الطريق الرابط بين داكار وباماكو، بعد استهداف عشرات الشاحنات والأسواق والمرافق الاقتصادية.
ويخشى متابعون من انتقال هذه التجربة إلى النيجر، خاصة مع اعتماد البلاد بشكل كبير على طرق التجارة البرية القادمة من بنين ونيجيريا وبوركينا فاسو والجزائر.
ثلاثة تهديدات تحاصر نيامي
تواجه النيجر حالياً ضغطاً أمنياً متعدد الجبهات:
غرب البلاد يشهد تصاعد نفوذ تنظيم “داعش” في منطقة تيلابيري والمثلث الحدودي، حيث تنفذ الجماعات المسلحة هجمات متكررة ضد المواقع العسكرية والقرى.
أما الجنوب والشرق، فما يزالان تحت تهديد الجماعات المرتبطة بحوض بحيرة تشاد وشمال نيجيريا، وعلى رأسها “بوكو حرام” و”داعش غرب إفريقيا”.
وفي الوقت نفسه، تواجه السلطات تحدياً آخر يتمثل في التنافس والصراع بين التنظيمات المسلحة نفسها، خصوصاً بين تنظيم “داعش” و”جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بتنظيم القاعدة، والتي تعتمد بشكل أكبر على التغلغل الاجتماعي وكسب الحواضن المحلية.
هذا التداخل خلق بيئة أمنية شديدة التعقيد، حيث تتقاطع المصالح المحلية مع الصراعات الإقليمية والدولية.
الفراغ العسكري بعد الانسحاب الغربي
يربط العديد من الخبراء بين تصاعد نشاط الجماعات المسلحة وبين الانسحاب الفرنسي وإغلاق القاعدة الأمريكية في أغاديز، التي كانت تمثل مركزاً رئيسياً للمراقبة الجوية وجمع المعلومات الاستخباراتية في الساحل.
فقد أدى هذا الانسحاب إلى تراجع القدرات الجوية والاستخباراتية التي كانت تعتمد عليها القوات النيجرية في تعقب تحركات الجماعات المسلحة داخل المناطق الصحراوية الواسعة.
وفي محاولة لتعويض هذا الفراغ، اتجهت السلطات الانتقالية إلى تعزيز تعاونها العسكري مع روسيا عبر “الفيلق الإفريقي”، إضافة إلى الرهان على العمليات المشتركة داخل إطار “تحالف دول الساحل” الذي يضم مالي وبوركينا فاسو والنيجر.
لكن مراقبين يشككون في قدرة هذه الترتيبات الجديدة على سد الفجوة الأمنية بسرعة، خاصة في ظل اتساع رقعة العمليات المسلحة.
الحرب النفسية.. السلاح الأخطر
لم تعد المعركة تقتصر على الميدان فقط. فالتنظيمات المسلحة أصبحت تعتمد بشكل متزايد على الإعلام الرقمي والدعاية النفسية، من خلال نشر بيانات وصور ومقاطع مصورة تستهدف التأثير على معنويات الجنود والسكان.
وتسبق هذه الحملات الإعلامية أحياناً العمليات العسكرية نفسها، حيث يجري تداول شائعات عن سقوط مواقع أو انسحاب قوات قبل تأكيدها رسمياً، ما يخلق حالة من الذعر والارتباك داخل المجتمعات المحلية.
ويرى مختصون أن الجماعات المسلحة تسعى عبر هذه الاستراتيجية إلى إقناع السكان بأن الدولة فقدت السيطرة، وهو ما يسهل عليها التوسع وفرض النفوذ.
هل تقترب النيجر من نقطة التحول؟
رغم استمرار العمليات العسكرية، تبدو السلطات النيجرية أمام تحدٍ يتجاوز البعد الأمني التقليدي. فالحفاظ على تماسك خطوط الإمداد، ومنع عزل القرى، وتأمين الطرق التجارية، بات يمثل أولوية لا تقل أهمية عن استعادة المناطق المهددة.
وفي حال استمرار الهجمات على المحاور الاقتصادية والثكنات العسكرية، قد تجد النيجر نفسها أمام نموذج مشابه لما عرفته مالي: حرب طويلة تستنزف الدولة تدريجياً دون حسم واضح.
ويبقى السؤال المطروح داخل الأوساط الأمنية والسياسية في الساحل:
هل تستطيع نيامي احتواء هذا التمدد قبل أن يتحول إلى واقع دائم، أم أن المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة من الفوضى الإقليمية المفتوحة؟
إعداد: حسن يوسف زرما
