وقّعت الحكومة النيجرية، السبت 15 أغسطس 2026، اتفاقية مع مجموعة Zimar وشركة High Tech لإنشاء مصفاة نفط جديدة ومجمع بتروكيماويات في منطقة دوسو، بكلفة استثمارية تقديرية تبلغ 1.9 مليار دولار، أي نحو 1.077 تريليون فرنك إفريقي.
وتنص الاتفاقية على إنشاء مصفاة بطاقة تكريرية تصل إلى 100 ألف برميل يومياً، إلى جانب مجمع بتروكيماويات ومنشآت مرتبطة بالمشروع، ضمن صيغة شراكة بين القطاعين العام والخاص من نوع البناء والتشغيل ثم النقل (BOT). وبموجب الصيغة المعتمدة، يتولى الشريك تمويل المشروع وبناءه وتشغيله لمدة 13 عاماً، قبل نقله إلى الدولة النيجرية.
ووقّع الاتفاقية عن الجانب النيجرى وزير الخارجية والتعاون والنيجريين في الخارج بكاري ياو سانغاري، بصفته رئيس اللجنة المكلفة بالتفاوض مع الشريك في قطاع النفط، فيما مثّل مجموعة Zimar وشركة High Tech الرئيس المدير العام للمجموعة، بنجامين داي مارك.
التمويل لم يُغلق بعد
رغم الإعلان عن قيمة المشروع البالغة 1.9 مليار دولار، فإن المبلغ لا يمثل تمويلاً تم توفيره بالفعل حتى الآن. فالجانب المالي للمشروع ما زال أمام مرحلة حاسمة.
وبحسب الحكومة النيجرية، مُنح الشريك مهلة أربعة أشهر لتعبئة التمويل وإعداد الدراسات الهندسية التفصيلية، على أن يتم الإغلاق المالي خلال 12 شهراً من تاريخ الاتفاقية.
وهذا يعني عملياً أن الاتفاقية دخلت حيز التنفيذ، لكن قدرة المشروع على الانتقال من مرحلة الاتفاق إلى مرحلة التنفيذ الفعلي ستظل مرتبطة بقدرة Zimar وشركائها على توفير التمويل المطلوب واستكمال المتطلبات الهندسية والمالية خلال الآجال المحددة.
ولم تكشف الحكومة، في البيانات الرسمية المنشورة حتى الآن، عن اسم بنك أو مؤسسة مالية أو صندوق استثماري دولي التزم بتمويل مبلغ الـ1.9 مليار دولار. كما لم يُعلن عن ضمان تمويلي صادر عن بنك تنمية أو وكالة ائتمان صادرات أو مؤسسة مالية دولية.
وبالتالي، فإن الأدق وصف المشروع حالياً بأنه اتفاقية استثمارية دخلت حيز التنفيذ مع التزام الشريك بتوفير التمويل، وليس مشروعاً حصل بالفعل على تمويل بقيمة 1.9 مليار دولار.
من هو الشريك؟
الاتفاقية الحالية تأتي امتداداً لمذكرة تفاهم أُبرمت في أكتوبر 2024، إلا أن التركيبة الحالية للشريك تختلف في تفاصيلها عن مجرد اتفاق ثنائي بين الحكومة وشركة واحدة.
وتقول وكالة النيجر للأنباء إن المفاوضات تطورت من مذكرة التفاهم السابقة إلى كونسورتيوم يضم مجموعة Zimar، وهي شركة ذات حقوق نيجيرية، وشركة High Tech الأميركية، وصولاً إلى اتفاقية الشراكة بين القطاعين العام والخاص بصيغة BOT.
وتقدم Zimar نفسها كشركة هندسة ومشتريات وتنفيذ مشاريع في قطاع التكرير والطاقة، وتقول عبر موقعها الرسمي إنها تعمل في تصميم وتنفيذ مشاريع المصافي والمنشآت البتروكيماوية، وتذكر مشاريع مرتبطة بشركات عالمية كـSaudi Aramco وShell وExxonMobil.
لكن هذه المعلومات هي المعلومات التي تقدمها الشركة عن نفسها، ولا تعادل في حد ذاتها إثباتاً مستقلاً لقدرتها على تمويل مشروع بقيمة 1.9 مليار دولار.
لماذا أُثيرت علامات استفهام حول Zimar؟
اختيار Zimar كشريك للمشروع أثار جدلاً داخل النيجر منذ توقيع مذكرة التفاهم في 2024.
ففي نوفمبر 2024، طالبت منظمة مكافحة الفساد التابعة لـTransparency International في النيجر بإجراء تحقيق بشأن ظروف إسناد مشروع المصفاة والمجمع البتروكيماوي إلى الشركة، وأبدت مخاوف بشأن قدراتها على تنفيذ مشروع بهذا الحجم. كما دعا CIRAC، وهو تجمع مدني نيجري، الحكومة إلى إجراء عملية تدقيق معمقة في الشركة قبل المضي في المشروع.
والأهم أن مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية EITI أشارت في تقييمها للنيجر لعام 2025 إلى أن إسناد مشروع المصفاة إلى Zimar أثار جدلاً يتعلق بالقدرة التقنية الفعلية للشركة وسجلها في تنفيذ العقود.
في المقابل، استمر الجانب النيجرى في المشروع، وأكدت الحكومة في يونيو 2026 أن مشروع مصفاة دوسو ما زال أولوية، لكنها شددت في ذلك الوقت على ضرورة تقديم المستثمرين ضمانات مالية كافية وإجراء تقييم مستقل لدراسة الجدوى.
وهذه النقطة تجعل المهلة الجديدة الخاصة بالتمويل، والإغلاق المالي خلال عام، من أهم مؤشرات نجاح المشروع خلال المرحلة المقبلة.
مشروع أكبر بخمس مرات من مصفاة زيندر:-
المصفاة الجديدة المقترحة في دوسو ستبلغ طاقتها 100 ألف برميل يومياً، مقابل نحو 20 ألف برميل يومياً لمصفاة زيندر الحالية، التي أنشأها النيجر بالشراكة مع الشركة الصينية CNPC.
وبذلك ستكون الطاقة الاسمية لمصفاة دوسو خمسة أضعاف الطاقة الحالية لمصفاة زيندر، ما سيغير بصورة كبيرة قدرة النيجر على تكرير النفط الخام محلياً.
وتأتي الخطوة في وقت تحولت فيه النيجر من دولة منتجة للنفط الخام إلى دولة مصدرة له إلى الأسواق الدولية. وقد بدأت صادرات الخام عبر خط أنابيب يربط حقول أغاديم بالمنشأة التصديرية في ميناء سيمي في بنين.
ماذا سيشمل المشروع؟
لا تقتصر الاتفاقية على إنشاء وحدة تكرير فقط، وإنما تشمل أيضاً مجمعاً بتروكيماوياً ومنشآت مرتبطة بالمشروع.
كما أعلن رئيس مجموعة Zimar أن المشروع سيشمل تطوير خطوط أنابيب ومنشآت تخزين ومنصة صناعية مرتبطة بالمصفاة، إضافة إلى برامج لتدريب العمال والمهندسين والفنيين النيجريين ونقل المعرفة والخبرات إليهم.
وتتحدث المجموعة عن إنشاء آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة، مع إعطاء الأولوية لتوطين الوظائف وتدريب الكوادر المحلية.
وكانت السلطات النيجرية قد خصصت منذ 2024 موقعاً للمشروع على محور دوسو–بيلا، على بعد نحو 40 كيلومتراً من دوسو، حيث كان مخططاً أن تضم المنطقة المصفاة والمجمع البتروكيماوي ومحطة لتوليد الكهرباء.
تحول في استراتيجية النيجر النفطية:-
يمثل مشروع دوسو جزءاً من استراتيجية أوسع للنيجر تهدف إلى الانتقال من تصدير النفط الخام إلى زيادة القيمة المضافة داخل البلاد.
وفي هذا السياق، لا يأتي مشروع Zimar بمعزل عن تحركات أخرى في قطاع الطاقة. ففي يناير 2025 وقعت شركة النفط الوطنية النيجرية SONIDEP اتفاقاً مع شركة سوناطراك الجزائرية للاستفادة من خبرتها في إعداد وتنفيذ مشروع المصفاة والمجمع البتروكيماوي في دوسو.
لكن الحكومة اتجهت لاحقاً إلى إعادة صياغة المشروع، حيث أعلن وزير النفط حمادو تيني في يونيو 2026 أن السلطات قررت اعتماد مصفاة تقليدية بدلاً من النموذج المعياري الذي كان مقترحاً في السابق، مع إعادة دراسة الجدوى واشتراط تقديم ضمانات مالية من المستثمرين.
وبالتالي فإن الاتفاقية الجديدة مع Zimar تمثل مرحلة أكثر تقدماً من المشروع، لكنها ليست نهاية المسار؛ فالاختبار الحقيقي سيكون في توفير التمويل وتحويل الاتفاقية إلى أعمال إنشائية على الأرض.
ما الذي يعنيه المشروع للاقتصاد النيجري؟
إذا تم تنفيذ المشروع وفق الجدول المعلن، فقد يمنح النيجر قدرة أكبر على تغطية احتياجاته من المنتجات النفطية محلياً، وتقليل الاعتماد على واردات الوقود، إلى جانب إمكانية تصدير فائض المنتجات المكررة إلى أسواق دول الجوار.
كما يمكن للمجمع البتروكيماوي أن يرفع القيمة المضافة للنفط الخام المنتج في النيجر، ويفتح المجال أمام صناعات مرتبطة بالبلاستيك والكيماويات والأسمدة والمواد الصناعية، بحسب طبيعة الوحدات التي ستدخل في التصميم النهائي للمجمع.
لكن المشروع يحمل في المقابل تحدياً مالياً كبيراً. فتكلفة 1.9 مليار دولار تجعل تأمين التمويل أكبر اختبار أمام الشريك، خصوصاً أن الحكومة حددت بوضوح أن التمويل يقع على عاتق الطرف الخاص في إطار صيغة BOT.
الاتفاقية الموقعة في دوسو تمثل تقدماً مهماً في مشروع ظل مطروحاً منذ 2024، لكنها لا تعني أن النيجر حصل بالفعل على تمويل بقيمة 1.9 مليار دولار.
المرحلة المقبلة ستكون حاسمة: أربعة أشهر لتعبئة التمويل وإعداد الهندسة التفصيلية، و12 شهراً للوصول إلى الإغلاق المالي. فإذا نجحت Zimar وHigh Tech في تأمين التمويل وفق الشروط المتفق عليها، يمكن للمشروع أن يدخل مرحلة التنفيذ الفعلي، أما إذا تعذر ذلك فستصبح قدرة الاتفاقية على الصمود موضع اختبار.
وبالنسبة للنيجر، فإن أهمية المشروع لا تكمن فقط في إنشاء مصفاة بطاقة 100 ألف برميل يومياً، وإنما في محاولة بناء سلسلة صناعية متكاملة حول النفط، وتحويل البلاد من مجرد مصدر للخام إلى منتج للوقود والمواد البتروكيماوية للسوق المحلية والإقليمية.
تقرير -مراسل براون لاند في النيجر حسن يوسف زرما
