تراجعت واردات مالي من المحروقات بنحو 3.7 ملايين لتر خلال أسبوع واحد فقط (من 31.1 مليون لتر إلى 27.4 مليون لتر)، مع انخفاض عدد الصهاريج الداخلة من 665 إلى 609 صهريجًا بين منتصف مايو 2026. هذا التراجع ليس مجرد رقم إحصائي، بل مؤشر خطير على تصاعد فعالية الحصار الذي تفرضه جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) على المحاور الرئيسية للإمداد منذ نهاية أبريل 2026.
السياق الاستراتيجي للحصار:-
تعتمد مالي، كدولة حبيسة، بشكل شبه كامل على النقل البري لاستيراد الوقود والسلع الأساسية عبر ممرات من السنغال وكوت ديفوار وغينيا وموريتانيا. هذا الاعتماد يجعلها عرضة للضغط اللوجستي.
نصرة الإسلام الفرع الساحلي لتنظيم القاعدة، تحولت منذ 2025 من استراتيجية السيطرة على الأراضي في الشمال والوسط إلى استراتيجية “الحصار الاقتصادي” الذكية. بدلاً من المواجهات المباشرة مع الجيش في كل مكان، تركز الجماعة على قطع الشرايين الاقتصادية:
– مهاجمة قوافل الصهاريج.
– إحراق الشاحنات.
– إقامة حواجز فعلية ومؤقتة.
– استغلال الطرق الرئيسية مثل الطريق الدولي رقمRN1 وممر كايس-باماكو.
هذه الاستراتيجية تكلف الجماعة جهدًا أقل عسكريًا، لكنها تُحدث تأثيرًا أكبر على الشرعية الحاكمة في باماكو.
التداعيات الاقتصادية والاجتماعية:-
– ارتفاع الأسعار: يؤدي النقص في الوقود إلى ارتفاع تكاليف النقل، ثم ارتفاع أسعار السلع الأساسية (الغذاء، الأدوية، المواد الزراعية). السوق السوداء تشهد أسعارًا فلكية في بعض الفترات.
-شلل الحركة: تأثر النقل العام، الزراعة، والخدمات الحكومية. في الماضي أدى ذلك إلى إغلاق المدارس والجامعات.
– تأثير إقليمي: يمتد الاضطراب إلى التجارة عبر الحدود في غرب إفريقيا، مما يؤثر على دول الجوار مثل السنغال وكوت ديفوار.
الأبعاد الاستراتيجية والسياسية:-
1. إضعاف الجيش المالي: يُجبر الحصار الجيش على تشتيت قواته لحماية الطرق الطويلة، مما يترك مناطق أخرى عرضة للهجمات. كما يزيد من التكاليف المالية واللوجستية للنظام العسكري الحاكم.
2. فقدان الشرعية: عندما يعجز النظام عن توفير الوقود والأمن الغذائي، يفقد الدعم الشعبي، خاصة في المدن الكبرى. هذا يفتح الباب لاحتجاجات أو انشقاقات داخلية.
3. التمويل الذاتي لـJNIM: تسيطر الجماعة على طرق التهريب والاقتصاد غير الرسمي (الذهب غير القانوني، المواشي، الابتزاز)، مما يمول عملياتها ويجذب مقاتلين جدد.
4. التنافس الإقليمي: يعكس الوضع فشل السياسات الأمنية بعد انسحاب بعثات مثل مينيسما وتأثير مجموعة فاغنر/أفريكا كوربس. الاعتماد على حلول عسكرية تقليدية أثبت عدم فعاليته أمام حرب غير متماثلة.
سيناريوهات محتملة:-
– سيناريو قصير المدى: محاولات الحكومة لكسر الحصار عبر عمليات عسكرية مرافقة للقوافل، أو صفقات (كما حدث سابقًا بإطلاق معتقلين مقابل مرور قوافل). قد يؤدي ذلك إلى تهدئة مؤقتة لكنها غير مستدامة.
– سيناريو متوسط المدى: تصعيد JNIM نحو حصار أوسع على باماكو، مع هجمات منسقة، مما يدفع الاقتصاد نحو الانهيار الجزئي.
– **سيناريو طويل المدى**: تحول JNIM إلى قوة مهيمنة في مناطق واسعة، مع إمكانية فرض “إمارة” أو سيطرة غير مباشرة على أجزاء من البلاد.
خلاصة استراتيجية
الحصار على الوقود ليس مجرد عملية تكتيكية، بل جزء من استراتيجية شاملة تهدف إلى إسقاط النظام الحالي أو إجباره على تنازلات سياسية كبرى. يستغل نصرة الإسلام JNIM نقاط ضعف مالي الهيكلية: الجغرافيا، الاعتماد على الطرق البرية، والحوكمة الضعيفة.
بالنسبة لدول الساحل والمجتمع الدولي، يُعد الوضع في مالي اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول الحبيسة على الصمود أمام الجماعات الجهادية المتكيفة. بدون حلول سياسية-أمنية-اقتصادية متكاملة (تحسين الحوكمة المحلية، تنمية طرق بديلة، وتعاون إقليمي حقيقي)، قد يصبح الحصار الحالي مقدمة لأزمة إنسانية وسياسية أعمق في قلب غرب إفريقيا.
الأسابيع والأشهر القادمة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان النظام في باماكو قادرًا على استعادة السيطرة على شرايين حياته الاقتصادية، أم أن “نصرة الإسلام والمسلمين” ستكتب فصلًا جديدًا في تاريخ الصراع في الساحل.
بقلم-حسن يوسف زرما
